يشهد الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة تحولات لافتة مع تزايد حضور التيار الديمقراطي الاشتراكي وقدرته على الفوز بمناصب كبرى في مدن محورية. فبعد أيام من انتخاب زهران ممداني، مرشح التيار اليساري داخل الديمقراطيين، عمدةً لمدينة نيويورك، حققت الناشطة التقدمية كاتي ويلسون فوزاً مماثلاً بمنصب عمدة مدينة سياتل في ولاية واشنطن، على ساحل المحيط الهادئ. واعترف العمدة المنتهية ولايته بروس هاريل بالهزيمة رسمياً في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، لتصبح ويلسون أول امرأة تصل إلى هذا المنصب.
وذهب بعض المحللين إلى تشبيه فوزها بفوز ممداني في نيويورك، نظراً لتقارب رؤاهما السياسية وصلتهما بالتيار الديمقراطي الاشتراكي، الذي أصبح يمتلك زخماً واضحاً داخل الحياة السياسية الأميركية.
تعيش ويلسون، البالغة 43 عاماً، حياة متواضعة مع أسرتها في شقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 600 قدم مربع، ولا تمتلك سيارة. وقد أسست عام 2011 منظمة تُعنى بحقوق مستخدمي النقل العام. وقررت خوض انتخابات العمدة بعد رفض سلفها فرض ضرائب على الأثرياء لتمويل مشاريع الإسكان، وفق ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز".
وبمجرد إعلان فوزها، شكرت زهران ممداني على منصة "إكس"، وقالت: "فخورة بأن نكون معاً في نضال يضمن حقوق العمال والسكن وكرامة العيش. من نيويورك إلى سياتل: هذه مدينتكم".
صدام بين الشعبية الصاعدة وتحفظ قيادة الحزب
يمثل فوز ممداني وويلسون انعكاساً للانتشار المتسارع للتيار الديمقراطي الاشتراكي بين الناخبين الأميركيين، خصوصاً داخل صفوف الحزب الديمقراطي. وتبدو رسائل هذا التيار أكثر قرباً من هموم الأميركيين اليومية، الأمر الذي يعزز جاذبيته.
لكن هذا الصعود يثير قلق التيار التقليدي داخل الحزب، الذي يخشى من انزلاق الديمقراطيين نحو اليسار المتشدد، مما قد ينفّر الناخبين الوسطيين والمستقلين.
وقد ظهر هذا التوتر بوضوح عندما تأخرت القيادة الديمقراطية في تقديم دعم رسمي لزهران ممداني، رغم فوزه بالانتخابات التمهيدية في يونيو/حزيران. وظل زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، يبرّران التأخر بأنهما "ما زالا في مناقشات معه". ولم يعلن جيفريز دعمه إلا في 24 أكتوبر/تشرين الأول، بينما لم يُعلن شومر دعماً صريحاً حتى يوم الاقتراع.
ركائز فكر الديمقراطيين الاشتراكيين
يرتكز التيار الديمقراطي الاشتراكي على مجموعة من الأفكار الجوهرية، أبرزها:
1. إعادة الحزب الديمقراطي إلى جذوره
يرى التيار أن أداء الديمقراطيين في انتخابات 2024 كشف ابتعادهم عن قواعدهم الأساسية، خصوصاً الطبقة العاملة والنقابات والطبقة الوسطى. ويعتبرون أن الحزب انشغل بقضايا ثقافية على حساب التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد الخبير الاستراتيجي الديمقراطي جيمس كارفيل أن الحزب "خان الناخبين البيض من الطبقة العاملة"، بحسب تصريح لموقع "فوكس نيوز".
2. التركيز على أزمة تكاليف المعيشة
ينطلق خطاب هذا التيار من معاناة الأميركيين المتزايدة أمام الغلاء، ويُعد برنامج ممداني في نيويورك مثالاً بارزاً. فقد دعا إلى تجميد الإيجارات، توفير نقل عام مجاني بالحافلات، وخفض تكاليف دور الحضانة، وإنشاء متاجر بقالة تابعة للمدينة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 30 دولاراً في الساعة بحلول 2030، وبناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة. ويموّل هذه المشاريع عبر فرض ضرائب على أصحاب الدخل المرتفع.
3. سياسات اجتماعية عادلة
يقوم خطابهم على إصلاح النظام الرأسمالي وليس استبداله، مع الإقرار بأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء بلغت مستويات خطيرة. ووفق بيرني ساندرز، فإن 1% من الأميركيين يملكون ثروة تفوق ما يمتلكه 90% من السكان.
وتشمل مطالبهم:
برنامج رعاية صحية شامل "Medicare for All"
رفع الحد الأدنى للأجور
تسهيل انضمام العمال للنقابات
توسيع مشاريع الإسكان الميسر
جعل التعليم الجامعي في متناول الجميع
زيادة الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى
4. موقف مختلف من إسرائيل
يتخذ هذا التيار موقفاً نقدياً حاداً من سياسات إسرائيل، ويصف العديد من قادته حرب غزة بأنها "إبادة جماعية". ويدعون صراحة لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.
ومع أن هذا التوجه يتعارض مع الخط التقليدي للحزب الديمقراطي، فإن فوز ممداني في نيويورك، رغم كونها من أكبر مراكز التجمع اليهودي، يعكس تحولاً داخل الرأي العام الأميركي.
رموز التيار الديمقراطي الاشتراكي
يعد السيناتور بيرني ساندرز أبرز وجوه هذا التيار. فقد فاجأ المؤسسة السياسية الأميركية عندما خاض انتخابات 2016 التمهيدية جامعاً أكثر من 13 مليون صوت، وفاز بـ23 ولاية ومقاطعة.
ينتقد ساندرز باستمرار السياسات الاقتصادية التي تزيد الفجوة بين الطبقات، ويقول في مقال نشره عبر "فوكس نيوز" إن أكثر من 60% من الأميركيين يعيشون على رواتبهم الشهرية، و85 مليون شخص بلا تأمين صحي كافٍ، و60 ألف منهم يموتون سنوياً بسبب عدم القدرة على تحمل زيارة الطبيب.
وفي مجلس النواب، تبرز النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، التي أسست مجموعة "الفرقة" (Squad)، التي تضم نواباً يساريين مثل رشيدة طليب، إلهام عمر، وآيانا بريسلي. وقد توسعت المجموعة لتضم حتى 9 أعضاء بعد انتخابات 2022 قبل أن يتقلص عددهم لاحقاً.
هذا التيار كان له دور بارز في حشد الشباب للديمقراطيين عام 2020، عندما فاز جو بايدن بالرئاسة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الفكر الاشتراكي بات أكثر قبولاً في المجتمع، إذ أظهر استطلاع "غالوب" أن تأييد الرأسمالية تراجع من 60% إلى 54%، فيما قال 62% من الشباب إنهم يفضلون الاشتراكية.
تحديات تواجه الحزب الديمقراطي
يمثل صعود هذا التيار فرصة للحزب لتجديد قاعدته الجماهيرية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً خطيراً. فالميل نحو اليسار قد يبعد الناخبين الوسطيين الذين يشكّلون عاملاً حاسماً في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان وبنسلفانيا وويسكنسن وجورجيا وأريزونا ونورث كارولينا.
وقد حذّر السيناتور جون فيترمان من "تطرف الخطاب اليساري" داخل الحزب، وقال إنه يهدد شعبيته بين الأميركيين العاديين.
وخلص تحليل أستاذ العلوم السياسية آلان أبراموفيتز إلى أن ممداني حصل على دعم محدود من المعتدلين، بينما حققت مرشحات ديمقراطيات معتدلات مثل أبيغال سبانبرغر وميكي شيريل نسب تأييد أعلى بين الوسط.
ويواجه الحزب أيضاً معضلة تحديد هويته بين الجناح التقليدي واليساري. وفي الوقت الذي يطرح الديمقراطيون الاشتراكيون سياسات تقدمية واسعة، تتخوف قيادة الحزب من خسارة الدعم المالي والميداني ومن تنفير كبار المتبرعين.
من جهة أخرى، يشن الجمهوريون حملة مضادة تصف هذا الصعود بأنه "مؤشر على تحول الحزب الديمقراطي نحو الشيوعية". واعتبر ترامب أن ممداني يمثل "المستقبل الشيوعي للحزب"، فيما يشبّه الخطاب الجمهوري توجهات التقدميين بتجارب فنزويلا وكوبا.