معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، المعروف اختصاراً بـ(INSS)، هو مؤسسة بحثية أكاديمية تأسست في جامعة تل أبيب عام 1978، ويعد واحداً من أبرز مراكز الأبحاث المختصة في شؤون الأمن القومي الإسرائيلي. الهدف من تأسيس المعهد كان تقديم دراسات وأبحاث دقيقة حول القضايا الاستراتيجية والأمنية في إسرائيل والمنطقة، بما يعزز من قدرة صناع القرار على مواجهة التحديات المحلية والإقليمية والدولية. ويصف المعهد نفسه بأنه مؤسسة مستقلة وغير ربحية، ملتزمة بالحيادية في تحليل الأحداث وتقديم التوصيات، إلا أن مراقبين خارجيين ينتقدون تأثيره على توجيه السياسات الإسرائيلية وتعزيز الرواية الرسمية الإسرائيلية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، دون الانتباه الكافي للانتقادات الدولية الموجهة لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، خصوصاً خلال المواجهات العسكرية التي شهدتها غزة بعد أكتوبر 2023.
تاريخ المعهد مرتبط مباشرة بتقييم الأداء العسكري والسياسي لإسرائيل، حيث أشار باحثون إسرائيليون إلى أن أحد أسباب مفاجأة الدولة خلال حرب أكتوبر 1973 كان غياب مؤسسة مستقلة تقيّم سياسات الحكومة والإجراءات الأمنية المتخذة. بناءً على ذلك، أُسس مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب بمبادرة من البروفيسور حاييم بن شاحار، وعين للقيادة اللواء أهارون ياريف، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، ليقود العمل الأكاديمي والتحليلي للمركز. بعد خمس سنوات تقريباً، وبالتحديد عام 1983، تم تغيير اسم المركز ليصبح "معهد جافي للدراسات الاستراتيجية" تكريماً لرجل الأعمال الأميركي ملفن جافي، الذي لعب دوراً أساسياً في تمويل أنشطة المعهد.
في سنواته الأولى، ركز المعهد على دراسة الأمن القومي الإسرائيلي بمفهومه الشامل، مع متابعة دقيقة للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، ومراقبة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وتحليل التسلح والأمن الإقليمي. ومع مرور الوقت توسعت مجالات العمل لتشمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأصبح المعهد أحد المصادر التي تعتمد عليها المؤسسة الأمنية في صنع القرارات، حتى أطلق في أواخر التسعينيات مجلة التقييم الاستراتيجي الفصلية التي تتناول تطورات الأمن القومي والإقليمي، وتوفر تحليلات معمقة لتأثير الأحداث العالمية على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل.
في عام 2006، شهد المعهد تحولاً مهماً، إذ أصبح مؤسسة أكاديمية مستقلة مادية عن جامعة تل أبيب، مع الاستمرار في الحفاظ على الروابط الأكاديمية والبحثية معها، وأطلق اسم "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" أو INSS. كما أطلق المعهد برامج جديدة شملت دراسات متعمقة حول الصين وروسيا ودول الخليج، إضافة إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية داخل إسرائيل، مع التركيز على دراسة العلاقة بين المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، وأصبح المعهد يتعاون بانتظام مع مراكز أبحاث دولية مرموقة في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
يقدم المعهد نفسه كجهة مستقلة تقدم المشورة لصناع القرار في إسرائيل، ويركز على تحليل السياسات الأمنية بشكل نقدي، مع تقديم توصيات واضحة ومحددة. ويؤكد على أهمية الحفاظ على الحرية الفكرية للباحثين، والالتزام بالدقة في تقديم الحقائق، والعمل وفق أسس أكاديمية علمية. ويهدف المعهد إلى أن يصبح المؤسسة البحثية المستقلة الأكثر تأثيراً على السياسة الأمنية الإسرائيلية على المدى الطويل، وأن يسهم في النقاش العام حول القضايا الأمنية والسياسية التي تشكل أولويات إسرائيل.
تشمل أبحاث المعهد مجالات متعددة، منها دراسة الأمن القومي الإسرائيلي وتأثير الأوضاع الإقليمية والدولية عليه، وفهم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتحليل العلاقات العربية الإسرائيلية، بالإضافة إلى دراسة التطورات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك السياسات العسكرية والأمنية للدول المجاورة. كما يركز المعهد على دراسة الأمن السيبراني والطاقة والبنية التحتية، والعلاقات بين الجيش والمجتمع المدني، إلى جانب تحليل الاقتصاد وعلاقته بالأمن القومي، ومتابعة الرأي العام وتأثيره على صنع السياسات.
يقدم المعهد برامج بحثية متخصصة يشترك فيها باحثون من الجيش والأجهزة الأمنية والسلك الدبلوماسي والقطاع الأكاديمي، ويغطي عمله برامج متعلقة بالعلاقات الإسرائيلية الأميركية، والتوازن العسكري في الشرق الأوسط، وضبط التسلح، والأمن الإقليمي، والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، بالإضافة إلى برامج متعلقة بالأمن السيبراني، والحرب المنخفضة الشدة، وعلاقة المجتمع بالرأي العام.
ينشر المعهد تقاريره وكتبه البحثية بشكل دوري، إضافة إلى تنظيم مؤتمرات وورش عمل واجتماعات مع كبار صناع القرار في إسرائيل، من بينهم رئيس الوزراء ووزراء الحكومة، ويقدم تحليلات مستمرة للمستجدات الدولية والإقليمية التي تؤثر على إسرائيل. من أبرز إصداراته السنوية "المسح الاستراتيجي لإسرائيل" الذي يوفر مراجعة شاملة للتطورات العالمية وتأثيرها على البيئة الاستراتيجية للبلاد. كما يقدم المعهد زمالات بحثية للطلبة الحاصلين على الدكتوراه، مثل زمالة "نويباور" التي تتيح العمل بدوام جزئي داخل المعهد، وبرامج مشتركة لمتابعة دراسات حقوق الإنسان ومعاداة السامية.
يعتمد المعهد في تمويله على مزيج من العقود البحثية ومبيعات الكتب والتبرعات، ومن أبرز الجهات الممولة له المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة مثل رابطة الأصدقاء الأميركيين لجامعة تل أبيب، وعائلة جافي، ورجل الأعمال الأسترالي فرانك لويس.
رغم النجاح الأكاديمي والبنية البحثية المتطورة للمعهد، فقد واجه انتقادات عديدة، أبرزها انحيازه الواضح للمؤسسة الرسمية الإسرائيلية، واعتماد غالبية الباحثين فيه على كبار الجنرالات والمسؤولين السابقين في الجيش والاستخبارات. كما اتُهم المعهد بتعزيز الرواية الإسرائيلية تجاه الصراع الفلسطيني، وعدم معالجة الانتقادات الدولية الموجهة للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً أثناء النزاعات الأخيرة في غزة. ويشير بعض المراقبين إلى أن المعهد يتلقى تمويلاً من منظمات يسارية، ويعكس في بعض تحليلاته توجهات سياسية معينة، وهو ما يجعل الجدل حول حياديته مستمراً.
باختصار، يمثل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إحدى الركائز الأكاديمية والتحليلية المهمة التي تدعم صنع القرار الاستراتيجي في إسرائيل، حيث يجمع بين البحث العلمي والتوصيات السياسية، ويستمر في لعب دور محوري في دراسة الصراعات الإقليمية، التحديات الأمنية، والتحولات الاستراتيجية التي تواجه الدولة العبرية على الصعيدين الإقليمي والدولي.