تجدّد التوتر على الجبهة الجنوبية اللبنانية بعد أن تلقّى الجيش اللبناني، عبر لجنة "الميكانيزم" – اللجنة الخماسية المكلّفة بمراقبة وقف إطلاق النار – إخطاراً بوجود ضربة إسرائيلية وشيكة تستهدف بلدة عيترون الحدودية. القرار أدى إلى إخلاءات عاجلة في البلدة وإقفال المدارس، وسط تزايد المؤشرات على إمكانية انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ قبل عام تقريباً.
أبلغت لجنة "الميكانيزم" الجيش اللبناني بوجود ضربة إسرائيلية محتملة ضد هدف داخل بلدة عيترون، من دون تحديد توقيت الضربة أو طبيعة الهدف.
وعلى الفور، قام الجيش بتمرير المعلومة إلى البلدية.
فيما نفّذت البلدية إغلاقاً فورياً للمدارس وإعادة الطلاب إلى منازلهم، وجرى إخلاء الأماكن العامة والمؤسسات الرسمية كإجراء احترازي.
هذه الخطوات العاجلة عكست جدية الإنذار، خصوصاً بعد سلسلة تهديدات إسرائيلية سابقة باستهداف مواقع تعتبرها "عسكرية" لحزب الله جنوب الليطاني، بينما ينفي لبنان وجود أي خروق لقرار وقف إطلاق النار من طرفه.
من هي لجنة "الميكانيزم"؟ وأي دور تلعبه في الجنوب؟
تشكلت اللجنة بعد الحرب الواسعة التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024 بعد وساطة أميركية ـ فرنسية ورعاية الأمم المتحدة.
اللجنة تضم:
قوات اليونيفيل
لبنان
إسرائيل
فرنسا
الولايات المتحدة
ويترأسها جنرال أميركي، في دلالة على حجم النفوذ الأميركي في صياغة قواعد الاشتباك الجديدة.
مهام اللجنة
مراقبة التزام الجانبين ببنود وقف إطلاق النار.
التدخل السريع لمنع التصعيد.
التحقيق في الخروقات التي يقدمها كل طرف.
رفع تقارير يومية إلى الأمم المتحدة والعواصم المعنية.
اللجنة باتت عملياً الوسيط العسكري التقني الوحيد الذي يملك القدرة على التواصل مع الطرفين لحظة بلحظة، ما يجعل إنذارها الأخير مؤشراً على تطور خطير.
لماذا عيترون؟ خلفيات وأبعاد ميدانية
عيترون، البلدة الواقعة على تماس مباشر مع الحدود، تُعتبر:
منطقة نشاط مكثّف للمراقبة الجوية الإسرائيلية.
واحدة من النقاط التي شهدت أعنف المواجهات في حرب 2024.
قريبة من مواقع استراتيجية يعتبرها الاحتلال حساسة.
تسريب الإنذار يوحي بأن:
1. إسرائيل قد تكون رصدت ما تعتبره "هدفاً عملياتياً".
2. أو أنها تستخدم التهديدات لإنتاج ضغط سياسي على اللجنة الخماسية ولبنان.
3. أو أن هناك توتراً ميدانياً متصاعداً تحاول اللجنة احتواءه قبل انفلاته.
السياق الإقليمي –هل نحن أمام انهيار جديد للهدنة؟
يأتي هذا التطور في ظل:
تصاعد المواجهات بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل.
استمرار التوتر بين حزب الله والجيش الإسرائيلي رغم الهدنة.
فشل مسارات التفاوض الأميركية في تثبيت هدنة طويلة الأمد في الجبهة الشمالية.
ووفق مصادر سياسية لبنانية، فإن الإنذار الأميركي/الأممي ليس روتينياً، بل يعكس «معلومات استخبارية» حول نية إسرائيل توجيه ضربة محدودة قد تكون رسالة ردعية أو تمهيداً لتصعيد أوسع.
هذه التطورات تذكّر بما حدث قبل اندلاع حرب 2024، حين سبقت الغارات الإسرائيلية موجة تحذيرات عبر القنوات الدولية.
قراءة أولية في دلالات التحرك الدولي
1. الدور المتزايد للولايات المتحدة
وجود جنرال أميركي على رأس اللجنة يجعل التحذير جزءاً من سياسة الضغط التي تمارسها واشنطن على بيروت لضبط تحركات حزب الله.
2. محاولة إسرائيلية لخلق "قواعد اشتباك" جديدة
إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة: أي تعزيز أو نشاط ضمن مناطق جنوب الليطاني = هدف مشروع.
3. خشية دولية من جرّ لبنان إلى مواجهة جديدة
إخلاء المدارس بقرار سريع يعني أن احتمال الضربة كبير، لكن أيضاً أن اللجنة تعمل لاحتواء التصعيد.
جنوب لبنان على حافة توتر جديد
إخطار لجنة "الميكانيزم" ليس مجرد معلومة تقنية، بل مؤشر على احتمال عودة المواجهات في أي لحظة، خصوصاً في بلدات المواجهة المباشرة مثل عيترون. ورغم الإجراءات الاحترازية، يبقى السؤال الأكبر:
هل تتحول الضربة الإسرائيلية المحتملة إلى شرارة مواجهة جديدة، أم تنجح اللجنة الخماسية في تجميد الموقف؟
الوضع في الجنوب مفتوح على كل الاحتمالات، والهدنة أصبحت هشّة إلى درجة تجعل أي خطأ ميداني – أو قرار سياسي – كفيلاً بإعادة إشعال الجبهة بالكامل.