أصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي رقم 3 الموجّه إلى المؤسسات المالية وكونتوارات التسليف وشركات الصرافة والمؤسسات التي تقدّم خدمات التحويلات النقدية الداخلية والخارجية عبر الوسائل الإلكترونية، إضافة إلى المؤسسات المزوِّدة لخدمة المحفظة الإلكترونية. وينصّ التعميم على إلزام الزبائن بالتصريح وفق نموذج “اعرف عميلك” عن أي عملية نقدية تبلغ قيمتها ألف دولار أميركي أو أكثر، أو ما يعادل هذا المبلغ بالعملات الأخرى.
وجاء هذا الإجراء بناءً على توجيهات نقلها مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية خلال زيارتهم الأخيرة إلى بيروت، ضمن ما يصنَّف في إطار مكافحة اقتصاد الكاش والحد من التمويل غير المشروع. وقد استند التعميم إلى قانون تنظيم مهنة الصرافة والقرار الأساسي 7818 المتعلق بمراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وإلى القرار الأساسي 7548 الخاص بالعمليات المالية الإلكترونية. وجرى نقاش التعميم في المجلس المركزي لمصرف لبنان خلال جلسة 12 تشرين الثاني 2025، ما يعني أن جميع الأعضاء اطّلعوا عليه ووافقوا على تطبيقه.
وبموجب التعميم، تُلزم كل مؤسسة مالية—من الصرافة والتحويلات والمحافظ الإلكترونية وكونتوارات التسليف وغيرها—بجمع البيانات التفصيلية عن العملاء وعملياتهم، والتحقق منها وتوثيقها وفق النماذج المرفقة التي صادق عليها المجلس المركزي. وتشمل الرقابة جميع العمليات النقدية التي تبلغ ألف دولار أو أكثر. كما منحت المؤسسات مهلة حتى الأول من كانون الأول 2025 لاعتماد نماذج التصريح للعمليات النقدية والزبائن الجدد، إضافة إلى مهلة ستة أشهر لاستكمال بيانات أصحاب الحسابات الحاليين.
وتتضمن الجداول المرفقة بالتعميم لائحة واسعة من المعلومات المطلوبة، من بينها: الاسم الكامل، العنوان، رقم الهاتف، اسم الموظف المسؤول، رقم الترخيص، الرقم الضريبي، مكان السجل، تاريخ ومكان الولادة، رقم الهوية أو جواز السفر، عنوان السكن التفصيلي، إضافة إلى مصدر الأموال الفعلي (راتب، إيرادات، بيع ممتلكات، تسديد قرض، مدّخرات، أو غير ذلك مع مستندات إثبات)، والغرض من العملية، وطريقة جلب الأموال، والمهنة، واسم صاحب العمل، والقطاع العامل فيه، والدخل الشهري، والمداخيل الأخرى، والوضع المالي والعائلي بكل تفاصيله، بما في ذلك اسم الزوج أو الزوجة والمهنة، وتواتر العمليات النقدية المتوقعة ومتوسط قيمتها والنشاط النقدي السنوي.
أما في حال كانت العملية مرتبطة بشركة، فيُطلب أيضاً تقديم بيانات الشركة كاملة، مثل رقم السجل التجاري، التعريف الضريبي، الشكل القانوني، الوضع المالي، طبيعة النشاط، معلومات صاحب الحق الاقتصادي، الأطراف ذات الصلة، نسب الملكية، وسائر التفاصيل المالية والعائلية المرتبطة بصاحب الحق الاقتصادي.
ويُلاحظ أن التعميم لا يقتصر على حجم التفاصيل المطلوب التصريح بها، بل يتعارض أيضاً مع السقف القانوني للتصريح عن العمليات النقدية عند الحدود، والذي تحدده القوانين اللبنانية بـ15 ألف دولار، وفق القانون رقم 42 الصادر في 24 تشرين الثاني 2015 المتعلق بتعقّب نقل الأموال النقدية عبر الحدود. إلا أن التعميم الجديد يخفض الحد الخاضع للرقابة إلى ألف دولار فقط ويوسّع نطاقها لتشمل العمليات الداخلية أيضاً.
ومن جانب آخر، يرى مراقبون أن التعميم يشكل خطوة غير مباشرة لإعادة توجيه العمليات النقدية نحو القطاع المصرفي، بما يعيد المواطنين إلى التعامل مع المصارف رغم فقدان الثقة بعد أزمة الودائع. ويُقارن البعض بين هذا التشدد والإجراءات المتبعة في دول أخرى، لافتين إلى أن دولاً كانت على اللائحة الرمادية، مثل الإمارات، لم تعتمد إجراءات مشددة على المقيمين بالقدر الذي تتبناه السلطات المالية اللبنانية عبر هذا التعميم.