هزّت انفجارات متتالية العاصمة دمشق مساء الجمعة 14 تشرين الثاني، ما أدى إلى إصابة امرأة وعدد من المدنيين، في حين أعلنت وزارة الدفاع أن الحادثة نجمت عن سقوط صاروخين من نوع “كاتيوشا” استهدفا حي المزة “86”، أحد أكثر أحياء دمشق اكتظاظاً بالسكان.
وذكرت وزارة الدفاع عبر إدارة الإعلام والاتصال أن الصاروخين أُطلقا من أطراف المدينة باتجاه مناطق سكنية في المزة ومحيطها، ما ألحق أضراراً مادية بالمكان، وأثار حالة استنفار أمني واسع. وأكدت الوزارة أنها باشرت، بالتعاون مع وزارة الداخلية، التحقيق في ما وصفته بأنه “اعتداء” يهدف إلى زعزعة أمن العاصمة، مشيرة إلى أنها تعمل على جمع الأدلة وتحديد مسار الصواريخ ومصدر إطلاقها.
وأوضحت الوزارة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة بحق المسؤولين عن الحادثة، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي جهة “تعبث بالأمن وتستهدف حياة المواطنين”.
في الوقت نفسه، تحدث سكان من حي المزة “86” عن انتشار أمني كثيف عقب الانفجارات، حيث باشرت الجهات المعنية فرض طوق أمني في محيط المنطقة ومنعت المدنيين من الاقتراب من موقع سقوط الصواريخ. وتم رصد إغلاق عدة طرق في المزة واستنفار سيارات الإسعاف التي حضرت إلى المكان لنقل المصابين والتعامل مع تبعات الانفجار.
وفي تعليق أولي، ذكرت مصادر عسكرية أن الصواريخ أُطلقت من منصة متحركة، وأن الجهة التي تقف خلف العملية ما تزال مجهولة، وهو ما ساهم في زيادة الغموض حول ظروف الحدث. كما أشار التقرير المبدئي إلى أن الجهود تتركز على تحليل بقايا المقذوفات والبحث عن مؤشرات إضافية قد تساعد في تحديد الجهة المنفذة.
وخلال ساعات صباح يوم 15 تشرين الثاني، أعلنت وزارة الدفاع أنها تمكنت من تحديد مكان إطلاق الصواريخ بعد دراسة زوايا السقوط ونقاط التجمع. وقال مسؤول الإعلام والاتصال عاصم غليون إن فريقاً عسكرياً مختصاً قام بتحليل موقع وآثار الضربات، وتمكن من تحديد المنطقة التي أطلقت منها الصواريخ بصورة دقيقة.
وأضاف أن الوزارة تعمل حالياً على تأمين موقع الإطلاق واستكمال الإجراءات الفنية والقانونية ضمن إطار التحقيق، مشيراً إلى أن الموقع يتضمن تجهيزات تقنية ودوائر كهربائية يُعتقد أنها استُخدمت لتفعيل منصة الإطلاق.
ونشرت وسائل الإعلام الرسمية تسجيلاً مصوراً يظهر بعض المكونات التقنية التي عُثر عليها في المكان، مثل أسلاك ولوحات كهربائية، إضافة إلى أجزاء يقال إنها تخص نظام الإغلاق الخاص بالصواريخ. وبحسب المعلومات المعروضة عبر الخريطة الرسمية، فإن موقع الإطلاق يقع في منطقة اللوان ضمن حي كفرسوسة، وهو موقع قريب من أطراف دمشق وبسهل الوصول منه إلى عدة أحياء في المدينة.
كما تشير البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية إلى أن أحد الصاروخين سقط في منطقة المزة “86”، بينما سقط الآخر في الطريق المؤدي إلى “قصر الشعب”، ما يبرز حساسية المواقع التي طالها الاستهداف والمخاطر التي كان يمكن أن تنجم عنها.
المزة… تاريخ من التوتر الأمني والاستهدافات
حي المزة، بمناطقه المتعددة ومنها المزة 86، يُعدّ من أكثر المناطق التي شهدت أحداثاً أمنية خلال السنوات الماضية، سواء قبل سقوط النظام أو بعده. وكانت المنطقة قد تعرضت في أوقات سابقة لضربات جوية وصاروخية نسبت إلى إسرائيل، نظراً لوجود شخصيات عسكرية وأمنية ومجموعات مسلحة حليفة لإيران.
ومن أبرز هذه الحوادث، الضربة التي وقعت في 8 تشرين الأول 2024، حين استهدفت ثلاث شقق سكنية في أبنية حي "الـ14" بالمزة، ما أدى إلى مقتل 19 مدنياً وإصابة 11 آخرين.
وبعد سقوط النظام، شهدت المنطقة أيضاً اشتباكات في الأيام الأولى مع مجموعات تصفها الحكومة بأنها “فلول النظام البائد”، ما أدى إلى توترات أمنية متكررة في محيط المنطقة.
كما شهدت المزة “86” في 3 أيلول الماضي انفجار عبوة ناسفة دون وقوع خسائر بشرية، وقالت الجهات الأمنية حينها إن العبوة استهدفت أحد عناصر الأمن الداخلي العاملين في المنطقة.
جميع هذه الأحداث جعلت من المزة نقطة حساسة أمنياً، تتكرر فيها الحوادث التي ترتبط إما بعمليات استهداف وإما بعمليات أمنية تنفذها الجهات الحكومية.
ومع استمرار التحقيقات بشأن حادثة صواريخ “كاتيوشا”، تبقى تفاصيل الجهة التي تقف وراء الاستهداف غير معلنة، فيما تواصل الجهات الرسمية إجراءاتها الميدانية والفنية لتحديد الملابسات بدقة أكبر.