يشهد الجنوب اللبناني في الأسابيع الأخيرة جدلاً واسعاً بعد انتشار تقارير عن نشاط شركة استيطانية إسرائيلية تُدعى “أوري تسافون”، تعرض أراضٍ وعقارات للبيع ضمن خريطة تضم بلدات جنوبية تمتد من مصب نهر الليطاني شمالاً حتى كفركلا، وتشمل صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، بأسعار تبدأ من نحو 80 ألف دولار للقطعة الواحدة. ما أثار الريبة هو إطلاق أسماء عبرية على هذه البلدات، والإشارة إليها كمواقع “لمستقبل مستوطنات جديدة”.
اللافت أن الدولة اللبنانية لم تُصدر حتى الآن أي نفي أو توضيح رسمي، رغم خطورة ما تضمنه التقرير. هذا الصمت يثير تساؤلات حول ما إذا كان ما يجري مجرد إعلان استفزازي أم مؤشراً فعلياً إلى خطة لإعادة رسم الحدود الديموغرافية للجنوب، وربما تحويله إلى منطقة عازلة تخدم مشروعاً سياسياً أكبر.
في تصريحات صحفية للمحلل الجيوسياسي الدكتور جورج أبو صعب يؤكد أن “الأمر أقرب إلى الواقع مما يُظن”، محذّراً من وجود “مخطط من ثلاث مراحل” يستهدف الجنوب. المرحلة الأولى — بحسب قوله — تتمثل في تصعيد عسكري يمتد من الجنوب إلى البقاع وربما الضاحية الجنوبية، يهدف إلى إنهاك الدولة والضغط على حزب الله.
المرحلة الثانية تُترجم بعقوبات مالية تطال مؤسسات الحزب، مثل جمعية القرض الحسن، تمهيداً لخنق بيئته اقتصادياً. أما المرحلة الثالثة، فهي الأخطر، إذ تبدأ بعمليات بيع عقارات عبر سماسرة ووكلاء محليين، ما يشكل “ترانسفير منظماً” للسكان الشيعة تحت غطاء الاستثمار العقاري.
ويضيف أبو صعب أن عمليات البيع تتم بطرق غير مباشرة، “فالمشترون الظاهرون لبنانيون، لكن خلفهم مجموعات إسرائيلية تدير المشهد بصمت”. ويرى أن الدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية كبيرة لتقصيرها في المراقبة، ولعجزها عن فرض سيادتها أو حتى ضبط الخطاب الرسمي الذي يروّج لانتهاء عملية سحب سلاح حزب الله جنوب الليطاني، في حين أن الواقع الميداني يُظهر العكس.
يحذر أبو صعب من أن “السكوت الرسمي قد يفتح الباب أمام أخطر سيناريو في تاريخ لبنان الحديث، يتمثل في تفريغ الجنوب من سكانه الأصليين وتحويله إلى منطقة عازلة بأيدٍ محلية وبتمويل خارجي”. ويختم قائلاً: “إما أن تستعيد الدولة اللبنانية سيادتها الحقيقية على كامل أراضيها، أو أن يتحول الجنوب إلى عنوان لمرحلة جديدة من التطبيع المقنّع، تُفرض على اللبنانيين كأمر واقع”.