رحلة الموت من الفاشر إلى تشاد: شهادات الناجين تكشف الرعب

2025.11.12 - 02:21
Facebook Share
طباعة

تشهد مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور غرب السودان، واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في السنوات الأخيرة، بعد احتدام المعارك وسيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر 2025. وقد أجبرت الأحداث العنيفة آلاف السكان على الفرار من منازلهم، متجهين إلى مناطق أخرى داخل السودان أو إلى تشاد المجاورة، بحثًا عن الأمان والحياة.

رحلة النزوح المميتة

وفي تقرير "للعربية الحدث" روى الشاب السوداني منير عبد الرحمن، الذي فقد والده المنتسب للجيش خلال المعارك، تفاصيل رحلة الفرار من المدينة إلى تشاد. وقال عبد الرحمن إن الرحلة استغرقت حوالي 11 يومًا، مضيفا أن والده توفي بعد أيام قليلة من مغادرتهم المدينة، رغم محاولته إسعافه بعد إصابة تعرض لها أثناء المعارك. وأضاف أن الرحلة كانت شاقة للغاية، حيث واجه الفارّون صعوبة في الحصول على الماء والطعام، وكانت المخاطر تحيط بهم من كل جانب.

الفتى عبد الرحمن لم يكن وحده في معاناته، فشهادات المراهقين والنساء والأطفال الذين اضطروا للفرار، تكشف حجم المأساة الإنسانية التي حلت بالمدينة. فبينما كان بعضهم يختبئ في المستشفيات أو المنازل المدمرة، وجد آخرون أنفسهم يسيرون لساعات بين الركام والجثث، في مشاهد فاضحة للدمار والموت.

وحشية القصف والاقتحام

وفق شهادات اللاجئين، بدأ القصف المكثف على الفاشر منذ 24 أكتوبر، قبل اقتحام عناصر الدعم السريع المدينة. وأكد كثير من النازحين أنهم قضوا أيامًا في ملاجئ ضيقة، بلا طعام أو مياه كافية، محاولين النجاة من الرصاص والطائرات المسيّرة والقذائف.

حامد سليمان شوغار (53 عامًا) قال: "في كل مرة كنت أخرج فيها لاستنشاق الهواء، كنت أرى جثثاً إضافية في الشارع، تعود غالبًا لأشخاص أعرفهم من الحي. لم أستطع تحمل البقاء أكثر، فانتظرت ليلة هادئة للفرار". استخدم شوغار عربة صغيرة للتنقل بين الركام والجثث، حذرًا من لفت انتباه عناصر الدعم السريع، ووصف المشهد بالمرعب، حيث كان خندق يحيط بالمدينة ممتلئًا بالجثث يصل إلى نصف الخندق.

خنادق الموت والمعاناة اليومية

منى محمد عمر (42 عامًا) التي كانت تهرب مع أطفالها الثلاثة، قالت إنهم اضطروا لتجنب الجثث أثناء رحلتهم، خشية الدوس عليها أو التلوث، وأضافت: "سقطت قذيفة بالقرب منا، وعندما استدرت، رأيت جثة عمتي وقد تحولت إلى أشلاء. لم يكن أمامنا سوى الاستمرار في المشي دون النظر إلى الخلف".

سميرة عبدالله بشير (29 عامًا) التي كانت تحمل ابنتها البالغة عامين وطفليها الآخرين، اضطرت للنزول في خندق أثناء الفرار، لتواصل الطريق بأمان نسبي، مشيرة إلى الصعوبة الكبيرة في الحفاظ على سلامة الأطفال وسط الفوضى والموت المنتشر.

محمد أحمد عبد الكريم وزوجته وأولادهما الستة فقدوا الطفل السابع نتيجة قصف بطائرة مسيّرة، وقال: "رأينا عشرات الجثث، كلها لمدنيين، وكانت الدماء تسيل منها، وكنا عاجزين عن المساعدة".

معاناة ما بعد الفرار

لم تنتهِ مأساة الفارّين بمغادرتهم المدينة، إذ واجهوا على الطرق الرئيسية نحو مناطق آمنة أعمال عنف واغتصاب وسرقة، إضافة إلى فرض مبالغ مالية كبيرة عند نقاط التفتيش، تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سودانية لكل مجموعة. وأفاد بعض النازحين أن عناصر الدعم السريع يستهدفون مجموعات محددة من الرجال، ويطلقون النار عليهم عشوائيًا، ما أسفر عن إصابات ووفيات إضافية.

أعداد اللاجئين واستجابة المجتمع الدولي

لا يزال من الصعب تحديد عدد السودانيين الذين وصلوا إلى تشاد، لكن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قدرت أن يصل العدد إلى نحو 90 ألف شخص خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وأكد أميني رحمني، المسؤول عن برنامج منظمة "أطباء بلا حدود" في مخيم تينيه، أن أعداد الوافدين ما زالت تتزايد، وأن المنظمة مستعدة لتكثيف استجابتها الإنسانية لتلبية الاحتياجات الملحة.

الفاشر كآخر معقل للجيش

كانت الفاشر آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في دارفور قبل سقوطها، وشهدت مجازر وعمليات اغتصاب ونهب جماعي للسكان، بحسب شهادات السكان ومقاطع مصورة نشرتها قوات الدعم السريع على منصات التواصل الاجتماعي. ويشكل سقوط المدينة مؤشرًا صارخًا على حجم الفظائع التي تواجه المدنيين في مناطق النزاع بدارفور، ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني المتردي في الإقليم، حيث يعيش السكان في خوف دائم من العنف والتهجير القسري.


تستمر مأساة الفاشر في كشف الوجه الحقيقي للنزاع الدموي في دارفور، حيث تتحول المدن إلى ساحات موت، ويضطر المدنيون إلى الفرار وسط معاناة غير مسبوقة. شهادات النازحين تروي فظائع لا يمكن نسيانها، بينما تبقى المجتمعات الدولية أمام تحديات كبيرة لتقديم الدعم والمساعدة، في مواجهة أزمة إنسانية متفاقمة تهدد آلاف الأرواح يوميًا.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 2