في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل إسرائيل وخارجها، تلقى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتصوغ رسالة رسمية من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يدعوه فيها إلى إصدار عفو كامل عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتهم في قضايا فساد ورشوة ما زالت تنظرها المحاكم الإسرائيلية منذ سنوات.
رسالة من واشنطن إلى القدس: عفو سياسي بغطاء "سلام"
في الرسالة التي كُشف عنها، خاطب ترامب هرتصوغ قائلاً:
> "أدعوكم إلى منح عفو كامل لبنيامين نتنياهو، فلا ينبغي أن يتشتت انتباهه بلا داع. القضية المرفوعة ضده سياسية وغير مبررة."
وأضاف ترامب أن نتنياهو "وقف بثبات من أجل إسرائيل في مواجهة خصوم أقوياء وظروف صعبة"، مؤكداً أن "السلام الذي بحثنا عنه منذ ثلاثة آلاف عام على الأقل قد تحقق"، في إشارة إلى التطبيع مع دول عربية ضمن ما يُعرف بـ"اتفاقيات أبراهام".
كما شدد ترامب على أن منح العفو سيسمح لنتنياهو "بمواصلة قيادة إسرائيل نحو عهد جديد من السلام"، مؤكداً أن استمرار ملاحقته القانونية "يشتت الانتباه عن تحقيق الأهداف الإقليمية الكبرى".
ردّ إسرائيلي متحفظ
ردّ الرئيس الإسرائيلي جاء دبلوماسياً ومحسوباً، إذ قال هرتصوغ إن "من يرغب في الحصول على عفو عليه أن يقدم طلباً رسمياً وفق الإجراءات القانونية المتبعة"، مضيفاً أنه يكنّ احتراماً كبيراً للرئيس ترامب و"يُقدّر دعمه غير المشروط لإسرائيل ومساهمته في الحفاظ على أمنها".
مصادر سياسية في تل أبيب علّقت على الرسالة بقولها إن ترامب يحاول إعادة إحياء صورته كحامٍ لإسرائيل استعداداً لحملته الانتخابية المقبلة، خصوصاً وأن نتنياهو يمثل بالنسبة له رمزاً للحليف الأكثر إخلاصاً في الشرق الأوسط.
تأتي هذه الرسالة في توقيت حساس؛ إذ يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية غير مسبوقة بسبب استمرار الحرب في غزة وتصاعد الخلافات داخل حكومته اليمينية. في المقابل، يسعى ترامب لاستثمار كل ورقة دعم محتملة من القاعدة الإنجيلية واليهودية في الولايات المتحدة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ويرى محللون أن الرسالة تحمل أكثر من بعد سياسي:
فهي تعبير عن تدخل مباشر في القضاء الإسرائيلي الذي ما يزال ينظر قضايا فساد نتنياهو،
ومحاولة أمريكية لاستعادة النفوذ على الساحة الإسرائيلية بعد تراجع صورة واشنطن في المنطقة،
إضافة إلى كونها رسالة انتخابية داخلية موجهة إلى جمهور ترامب المحافظ المؤيد لإسرائيل دون شروط.
"بيبي" بين القضاء والشرعية السياسية
رغم أن نتنياهو لم يعلق رسمياً على الرسالة حتى الآن، إلا أن المقربين منه يرون فيها "اعترافاً دولياً بدوره القيادي" في مواجهة ما يسمّونه "الملاحقة السياسية" ضده.
غير أن المعارضة الإسرائيلية اعتبرت الخطاب الأمريكي تدخلاً غير مقبول في الشؤون القضائية، محذّرة من أن أي عفو عن نتنياهو سيشكل "طعنة لسيادة القانون" في إسرائيل.
تحمل رسالة ترامب أبعاداً تتجاوز العلاقات الشخصية بينه وبين نتنياهو. فهي تكشف عن تداخل السياسة الأمريكية والإسرائيلية في لحظة ضعف متبادل:
نتنياهو يواجه أزمة داخلية متصاعدة وحرباً مفتوحة في غزة،
وترامب يسعى إلى استعادة دوره كمهندس للسياسات الشرق أوسطية بعد فترة من الغياب.
لكن، في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل إظهار استقلال مؤسساتها القضائية، تأتي رسالة ترامب لتعيد طرح سؤال جوهري:
هل يمكن لرئيس وزراء متهم بالفساد أن يقود بلاده نحو "السلام" بينما يخوض حرباً طويلة وغير محسومة في غزة؟