الوجود الأمريكي قرب دمشق: دعم أمني أم مساس بالسيادة؟

2025.11.12 - 08:11
Facebook Share
طباعة

 أثار الحديث عن إمكانية وجود عسكري أمريكي في محيط العاصمة السورية دمشق تساؤلات حول طبيعة هذا الوجود وأهدافه المحتملة، ومدى تأثيره على مفهوم السيادة السورية.

وكالة “رويترز” كانت قد نقلت، في السادس من تشرين الثاني الحالي، عن ستة مصادر – سورية وغربية – أن واشنطن تدرس إنشاء وجود عسكري في قاعدة جوية قرب دمشق، بهدف دعم اتفاق أمني تعمل على الوساطة فيه بين سوريا وإسرائيل.

وبحسب ما ورد في التقرير، يُفترض أن تشكّل القاعدة جزءًا من منطقة منزوعة السلاح ضمن اتفاق “عدم اعتداء” بين الطرفين، على أن تتولى الولايات المتحدة مراقبته.

الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان، يرى أن وجوداً كهذا قد يسهم في ضبط الجنوب السوري ويفتح قنوات سياسية جديدة مع واشنطن، لكنه شدد على ضرورة وضوح شروط هذا الوجود لتجنّب تحوله إلى ورقة ضغط لاحقاً.

في المقابل، نفت الخارجية السورية وجود أي ترتيبات لإقامة قاعدة أمريكية جديدة، بينما أكدت مصادر عسكرية سورية – نقلت عنها رويترز – أن دمشق ستحتفظ بسيادتها الكاملة على المنشأة، وأن المحادثات ركزت على مهام لوجستية واستطلاعية وإنسانية.

مصدر في وزارة الخارجية السورية صرّح لوكالة “سانا” أن الموقف الأمريكي يشهد تحولاً نحو التعامل المباشر مع الحكومة السورية المركزية ودعم جهود توحيد البلاد، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تسعى إلى نقل التفاهمات السابقة “مع أجسام مؤقتة” إلى دمشق ضمن تنسيق سياسي وعسكري واقتصادي مشترك.

لكن الكاتب والباحث السياسي عبد الله العلي يرى أن إشراك قوة أجنبية قرب مركز القرار السيادي يحمل في طياته مساساً جزئياً بالسيادة السورية، موضحاً أن منح تفويض عسكري للمراقبة أو الردع يعني عملياً إقراراً بوجود حدود لقدرة الدولة المنفردة على ضمان الأمن في هذه المرحلة.

ويرى العلي أن طبيعة هذا “المساس” تبقى مرهونة ببنود الاتفاق وآليات تنفيذه على الأرض، مؤكداً أن الجديد في تقرير “رويترز” لا يكمن في المبدأ بحد ذاته، بل في الموقع والوظيفة، إذ أن قرب القاعدة من العاصمة يمنحها رمزية سياسية أكبر ويجعلها قريبة من مركز القرار.

الباحث نوار شعبان يشير إلى أن السيادة يفترض أن تبقى بيد الحكومة السورية، لكن غياب الشفافية يجعل الصورة “ضبابية”، ويؤكد ضرورة تحديد الشروط بوضوح لتجنب أن يتحول الحضور الأمريكي إلى شراكة مقيّدة أو إلى وصاية مقنّعة.


من “التنف” إلى دمشق
تملك الولايات المتحدة بالفعل قاعدة “التنف” الواقعة في المنطقة المعروفة باسم “55”، أنشأتها في إطار الحرب ضد تنظيم “الدولة”. ويعتبر العلي أن هذه القاعدة شكّلت سابقاً مساساً بمفهوم السيادة التقليدي، كون انتشار القوات الأمريكية لم يكن بموجب موافقة رسمية من الحكومة السورية آنذاك.

وأشار إلى أن وجود “التنف” تجلّى عملياً خلال التصعيد بين طهران وتل أبيب في نيسان 2024، عندما شاركت القوات الأمريكية في إسقاط مسيّرات وصواريخ كانت متجهة نحو إسرائيل.


مقارنة مع اتفاق 1974
يعدّ الوجود الأمريكي المقترح قرب دمشق مختلفاً نوعياً عن مهمة قوة الأمم المتحدة “الأندوف” التي راقبت اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل لعقود، دون الحاجة إلى قواعد أجنبية أو إشراف مباشر من دولة واحدة.

ويرى العلي أن ما يطرحه التقرير يشير إلى انتقال من المراقبة الأممية المحايدة إلى إشراف أمريكي مباشر ذي بعد لوجستي وجوي، وهو ما قد يمثل تحولاً جوهرياً في مفهوم الرقابة والسيادة في آنٍ واحد.


بين الشراكة والسيطرة
يعتقد الباحث نوار شعبان أن دمشق أمام معادلة دقيقة، بين تحويل الوجود الأمريكي إلى أداة سيادية داعمة، أو السماح بأن يصبح رمزاً لوصاية دولية. فيما يشير العلي إلى أن التجارب السابقة، مثل قاعدة “عين الأسد” في العراق، أظهرت أن بنود الشراكة العسكرية تبقى مرنة وتخضع لاعتبارات واشنطن عند الأزمات.

ويضيف أن فاعلية أي منطقة فصل أو اتفاق أمني تعتمد على وضوح القواعد وآليات الإنفاذ واستعداد الأطراف للالتزام بها، مشيراً إلى أن حدود الردع ستظل مرتبطة بما تعتبره إسرائيل مصلحة أمنية استراتيجية، حتى بوجود رقابة أمريكية.


وساطة أمريكية بين دمشق وتل أبيب
بموازاة ذلك، أجرى الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، زيارة إلى واشنطن في 10 تشرين الثاني الحالي، التقى خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أول لقاء رسمي من نوعه بين الجانبين منذ سنوات.

وخلال اللقاء، تصدّر ملف الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل جدول المحادثات. ترامب صرّح بأن بلاده “ستبذل أقصى الجهود لإنجاح سوريا”، وأكد العمل مع إسرائيل للوصول إلى تفاهمات مشتركة.

الشرع، من جانبه، وصف المفاوضات بأنها “صعبة لكنها مستمرة”، موضحاً أنها تجري بدعم من الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى، وأن أي اتفاق مستقبلي سيشترط انسحاب إسرائيل إلى مواقع ما قبل سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024.

واختتم بالقول: “الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على ضبط سلوك إسرائيل وضمان التزامها بأي اتفاق مقبل”.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 4