بعد أكثر من عام ونصف من الصراع المسلح في السودان، أصبحت مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور رمزًا لمعاناة المدنيين في ظل النزاعات المسلحة سيطرة مليشيات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب حصار استمر نحو 540 يومًا، أظهرت حجم الانتهاكات التي طالت السكان المدنيين وأدت إلى أزمة إنسانية واسعة، ما دفع خبراء حقوقيين ومنظمات دولية إلى التحذير من ارتكاب جرائم واسعة النطاق قد ترقى إلى جرائم حرب التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية، إلى جانب مقاطع الفيديو التي بثّها عناصر المليشيات أنفسهم، وثقت فظائع جماعية وحملات لطمس الأدلة بهدف التستر على الجرائم.
سقوط الفاشر وأزمة المدنيين:
في 26 أكتوبر الماضي، سيطرت مليشيات الدعم السريع على الفاشر بعد معارك ضارية مع الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني، ما فتح الطريق لتنفيذ عمليات قتل عشوائي، واستهداف المدنيين والأسرى من العسكريين والمقاتلين المحليين وقالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في 30 أكتوبر، إن المليشيات منعت الوصول إلى المدينة، وفرضت حصارًا غذائيًا على المدنيين، ما اضطرهم إلى استهلاك علف الحيوانات.
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، حذّر من أن خطر الانتهاكات ذات الدوافع العرقية يتزايد يوميًا، بينما أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن ما يحدث قد يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
محاولات طمس الأدلة:
تستهدف مليشيات الدعم السريع طمس الأدلة عبر حملات تنظيف واسعة تشمل جمع الجثث، دفن بعضها في مقابر جماعية، وحرق أخرى بالكامل. وفق شبكة أطباء السودان، فإن هذه العمليات لا تتوافق مع الأعراف الدولية والدينية المتعلقة بحق الموتى في الدفن الكريم، وتشير إلى أن المدينة شهدت إبادة جماعية مكتملة الأركان.
تقرير مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة الأميركية، الصادر في 6 نوفمبر، أظهر أن المليشيات أغلقت المنافذ الرئيسية للهروب، كما حدّد عدة مواقع محتملة للتخلص من الجثث داخل المدينة وخارجها. المستشفى السعودي ومشفى الأطفال كانا مواقع لإعدام جماعي، وأكدت منظمة الصحة العالمية مقتل أكثر من 460 شخصًا بينهم مرضى ومرافقون.
دور خبراء الحقوق وجمع الأدلة:
يرى خبراء حقوقيون أن عمليات جمع البيّنات والتحقق من صحة الأدلة عبر الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو، تشكل أداة حاسمة لمساءلة الجناة.
يرى مراقبون أن التوثيق الاحترافي للجرائم يساعد على الحفاظ على حقوق الضحايا وضمان محاسبة المسؤولين، أيضاً التكنولوجيا الحديثة تتيح معرفة المواقع والأعداد والتواريخ حتى بعد محاولات الحرق والدفن.
الحملات الإعلامية والتحقيقات الرسمية:
بعد نشر مقاطع الفيديو، ظهرت محاولات للتشكيك في صحة الأدلة، حسب خبراء حقوقيون، لكنها لم تؤثر على قوة الأدلة التي تم جمعها من المصادر المفتوحة والتقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية وفي الوقت نفسه، أعلنت قوات الدعم السريع عن تشكيل لجان للتحقيق في التجاوزات، والقبض على عناصر متورطة في عمليات الإعدام، بينما تتواصل الدعوات الدولية لإجراء تحقيق مستقل.
يشير الواقع إلى أن الفاشر شهدت جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين والأسرى، ومحاولات طمس الأدلة لم تمنع توثيق الانتهاكات وتظل التكنولوجيا والأدلة الميدانية أدوات محورية لضمان مساءلة الجناة، مع ضرورة تكثيف التحقيقات المستقلة لضمان حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب.