الردع في اختبار جديد بين تل أبيب والمقاومة

2025.11.11 - 09:22
Facebook Share
طباعة

 تشير التطورات في المواقف الإسرائيلية والأميركية خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن نتائج الحرب الأخيرة لم تُحسم بشكل نهائي، وأن الصراع لا يزال مفتوحاً على أكثر من مسار. فالمؤشرات الصادرة عن المؤسستين السياسية والعسكرية في تل أبيب تعكس قناعة متزايدة بأن الأهداف التي وُضعت للحرب لم تتحقق بالكامل، وأن مرحلة جديدة بدأت، عنوانها الأبرز هو إعادة تعريف مفهومي الردع والقدرة على الحسم.

هذا التحوّل يأتي في إطار مراجعة إسرائيلية شاملة لأداء جيشها واستراتيجيتها الدفاعية، في ضوء ما تعتبره إخفاقاً في تحقيق الأهداف الميدانية التي كانت تتوقعها. ويبدو أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تعمل على صياغة مقاربة جديدة تدمج بين العمل الميداني والضغط النفسي والإعلامي، في محاولة لتعويض الفجوة التي ظهرت بين القدرة العسكرية التقليدية والنتائج الفعلية على الأرض.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله انتقلت من الميدان العسكري إلى صراع على الوعي والشرعية. فبينما تسعى إسرائيل إلى ترسيخ صورة الردع وإبراز قدرتها على فرض المعادلات الأمنية، يواصل حزب الله تقديم نفسه كقوة دفاعية قادرة على الصمود والمبادرة. وفي ظل هذا التوازن، تحاول الأطراف المختلفة اختبار حدود الضغط السياسي والإعلامي دون الوصول إلى مواجهة شاملة جديدة.

التحليلات الإسرائيلية الأخيرة تُظهر إدراكاً متزايداً بأن الحرب السابقة لم تؤدِّ إلى إضعاف كامل لقدرات حزب الله كما أُعلن سابقاً. ورغم ما رُوِّج عن تدمير ما بين 70 و80% من البنية العسكرية للحزب، تشير تصريحات مسؤولين وخبراء أمنيين في تل أبيب إلى أن التنظيم أعاد بناء جزء كبير من منظوماته التقنية والتنظيمية خلال فترة قصيرة، الأمر الذي دفع بعض مراكز الأبحاث الأمنية إلى التحذير من أن "الوقت يعمل ضد إسرائيل"، على حد تعبير مدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، اللواء تامير هايمن.

وتعكس هذه التقديرات مخاوف إسرائيلية من أن مرور الوقت قد يسمح لحزب الله بزيادة قدراته الميدانية وتعزيز موقعه في المعادلة الإقليمية. ولذلك تسعى تل أبيب، وفق ما تُظهره تصريحات مسؤوليها، إلى تحقيق ما تسميه "الحسم الاستراتيجي" خلال فترة تراها محدودة، خوفاً من تغيّر موازين القوى في المستقبل القريب.

في المقابل، يلفت محللون إلى أن تكثيف الخطاب الإسرائيلي والتهديدات العلنية لا يعكسان بالضرورة استعداداً لخوض حرب جديدة، بقدر ما يعكسان محاولة لفرض ضغوط سياسية وإعلامية تهدف إلى انتزاع تنازلات من الجانب اللبناني، تحت شعار تجنّب التصعيد العسكري. وتجربة المنطقة خلال العقود الماضية، بحسب هؤلاء، تُظهر أن الضغوط لا تنتهي عادة إلى تسويات دائمة ما لم تُدعَم بظروف ميدانية متكافئة.

على الصعيد الأميركي، يبرز دور واشنطن كمحاولة لتثمير التطورات العسكرية في خدمة أهداف سياسية أوسع تتعلق بترتيب الأوضاع الإقليمية. فالتقارب بين المواقف الأميركية والإسرائيلية بشأن الملف اللبناني يعكس سعياً إلى تحقيق "توازن ردع" يمنع التصعيد الواسع، مع الإبقاء على أدوات الضغط الفاعلة في السياسة والاقتصاد.

في المقابل، تواجه إسرائيل تحديات داخلية في تثبيت مفهوم الردع. فبعد حرب 2024، وجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام معادلة غير مريحة: تفوق عسكري تقليدي مقابل عجز عن فرض استسلام الطرف الآخر. هذا الواقع دفع المؤسسة العسكرية إلى تبنّي مقاربة جديدة تركّز على "الحرب الإدراكية" إلى جانب العمليات الميدانية، أي التأثير في الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، باعتباره جزءاً من موازين القوة الحديثة.

المشهد الراهن يشير إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة تموضع استراتيجي. فبينما تعمل إسرائيل على ترميم ثغراتها الميدانية واستعادة ثقة جمهورها الداخلي، تسعى قوى المقاومة إلى تثبيت معادلة الردع عبر تعزيز حضورها العسكري والسياسي. ووسط هذه الحسابات، يبدو أن الصراع دخل مرحلة "الاختبار الطويل" الذي يتجاوز مفهوم الانتصار أو الهزيمة، ليركّز على استدامة التأثير والقدرة على البقاء فاعلاً في معادلة معقّدة، تمتد آثارها إلى توازنات الإقليم بأكمله.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8