الشرع يتحدث من قلب واشنطن: صفحة جديدة مع أميركا وطيّ الماضي مع القاعدة

2025.11.11 - 09:15
Facebook Share
طباعة

في حدث غير مسبوق منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره السوري أحمد الشرع في المكتب البيضاوي، في مشهد وصفته وسائل الإعلام الأميركية بأنه “تكريم استثنائي” و“إشارة رمزية لانطلاقة صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن”.
وجاءت المقابلة التي أجرتها شبكة فوكس نيوز لتضع النقاط على الحروف حول طبيعة هذا الانفتاح المفاجئ بعد عقود من القطيعة والعقوبات والعداء المتبادل.

 

الشرع: سوريا تدخل عهداً جديداً

في مستهل اللقاء، وصفت المذيعة الرئيس ترمب بأنه “زعيم العالم الحر”، وسألت الشرع عن مضمون لقائهما وما إذا كانت سوريا والولايات المتحدة قد أصبحتا الآن “حليفين”.
أجاب الشرع قائلاً: “على مدى ستين عاماً، كانت سوريا معزولة عن العالم، وكان بيننا وبين الولايات المتحدة فجوة عميقة. هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس سوري البيت الأبيض منذ تأسيس الدولة السورية. بعد سقوط النظام السابق، دخلت سوريا عصراً جديداً، وسنبدأ استراتيجية مختلفة تقوم على التعاون، وخاصة في المجالات الاقتصادية والأمنية.”

 

كانت كلمات الشرع حذرة لكنها تحمل نبرة مصالحة واضحة، تعكس رغبة دمشق في إعادة بناء علاقاتها مع واشنطن على أسس “براغماتية” لا عدائية كما في السابق.

 


التحالف ضد داعش: نحو تنسيق مشروط

وحول سؤال عن إمكانية انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، قال الشرع إن بلاده كانت في الخطوط الأمامية للحرب ضد التنظيم الإرهابي، مشيراً إلى أن القوات السورية “خسرت الكثير من الجنود والضباط خلال المعارك التي استمرت لعشر سنوات”.

وأضاف بحزم: “وجود الولايات المتحدة في سوريا يجب أن يكون منسقاً مع الحكومة السورية. علينا أن نناقش هذه القضايا ونتوصل إلى تفاهمات تضمن سيادة البلاد وتنظم أي تعاون مشترك.”

 

بهذا التصريح، حاول الشرع رسم معادلة جديدة تقوم على الشراكة لا التبعية، محدداً بوضوح أن أي دور أميركي في سوريا مستقبلاً سيكون تحت سقف التنسيق الرسمي مع دمشق.

 

من قوائم الإرهاب إلى البيت الأبيض

سؤال المذيعة التالي كان الأكثر جرأة:
“لقد كنت مصنفاً على قوائم الإرهاب الأميركية قبل أقل من عام، وارتبط اسمك بتنظيم القاعدة. اليوم أنت في واشنطن، تلعب كرة السلة مع قادة عسكريين وتلتقي بالرئيس ترمب. ما الذي تغير؟”

 

ابتسم الشرع وأجاب بهدوء: “تحدثنا عن المستقبل، عن الهوية الوطنية، وعن رفع العقوبات. مجلس الأمن أصدر قراراً برفع العقوبات عني وعن آخرين، والآن نحن نفتح صفحة جديدة.”

 

وعندما سُئل عمّا إذا كان ترمب ناقش معه ارتباطه السابق بالقاعدة، أجاب الشرع بوضوح:

“ذلك أصبح من الماضي. لم نتحدث عن ذلك. تحدثنا عن المستقبل وعن فرص الاستثمار في سوريا. لم تعد سوريا تُعتبر تهديداً أمنياً، بل شريكاً جيوسياسياً يمكن للولايات المتحدة أن تستثمر فيه، خاصة في مجال الغاز والطاقة.”

 

بهذا الموقف، حاول الرئيس السوري الجديد إعادة تعريف صورته أمام الرأي العام الأميركي، متجاوزاً إرثه القديم ليركز على صورة “الزعيم البراغماتي” المنفتح على الغرب.

 

عن أحداث 11 سبتمبر: “كنت صغيراً جداً”

طرحت المذيعة سؤالاً حساساً حول هجمات 11 سبتمبر التي نفذها تنظيم القاعدة عام 2001، قائلة:
“هل تشعر بالندم لما فعله التنظيم الذي كنت مرتبطاً به يوماً، والذي تسبب بمقتل ثلاثة آلاف أميركي؟”

 

ردّ الشرع قائلاً: “كنت في التاسعة عشرة من عمري، لم أكن أملك أي سلطة، ولم تكن القاعدة موجودة في منطقتي حينها. نحن نأسف لكل مدني قُتل، وندرك أن المدنيين دائماً يدفعون ثمن الحروب. هذا هو ثمن الحرب، ونحن نؤمن بأن وقت المصالحة قد حان.”

 

كلمات الشرع حملت اعتذاراً غير مباشر، دون أن يتورط في اعتراف أو مسؤولية، محاولاً أن يظهر بمظهر رجل الدولة الذي يترفّع عن ماضي الصراعات ويتطلع نحو بناء الثقة.

 


إسرائيل واتفاقات أبراهام: موقف ثابت من الجولان

لم تغب إسرائيل عن الحوار. فقد سألت المذيعة الشرع عن موقفه من “اتفاقات أبراهام” التي وقعتها عدة دول عربية للاعتراف بإسرائيل، فقال بوضوح:

“الوضع في سوريا مختلف. نحن لدينا حدود مع إسرائيل، وهناك أرض محتلة هي هضبة الجولان منذ عام 1967. لسنا في موقع يسمح بالدخول في مفاوضات الآن، وربما في المستقبل تتوصل إدارة الرئيس ترمب إلى تفاهمات من نوع آخر.”

 

أعاد الشرع بذلك التأكيد على ثوابت السياسة السورية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، مع ترك الباب موارباً أمام احتمال تفاهمات مستقبلية لا تصل حد التطبيع.

 

محاسبة الأسد: العدالة قادمة

وعندما سألته فوكس نيوز عن مصير الرئيس السابق بشار الأسد، الذي يعيش في موسكو “حياة مريحة بعيداً عن العدالة”، أجاب الشرع بلهجة حاسمة:

> “روسيا شاركت بطريقة أو بأخرى في الحرب ضد الشعب السوري، وأحد بنود المفاوضات هو تسليم المطلوبين إلى القضاء السوري. أنشأنا لجنة للعدالة الانتقالية لضمان محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق السوريين.”

 

هذا التصريح يشير إلى توجه واضح في سياسة الشرع نحو إعادة فتح ملفات الحرب ومحاسبة رموز النظام السابق، ولو جزئياً، في محاولة لاستعادة ثقة الداخل السوري والمجتمع الدولي.

 

ملف أوستن تايس والمفقودين: “أمي التقت أمه”

وفي سؤال مؤثر عن مصير الصحفي والجندي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ عام 2012، كشف الشرع عن تفاصيل إنسانية لافتة:

“التقيت بوالدته، وهي امرأة رائعة. كما التقت بأمي التي فقدتني لسبع سنوات وظنت أنني متّ. تحدثتا طويلاً عن الألم والأمل. سأفعل كل ما بوسعي لتزويدها بمعلومات مهمة عن ابنها وعن الأميركيين المفقودين.”

 

وأوضح أن سوريا تضم أكثر من 250 ألف مفقود، معترفاً بأن مصير الكثير منهم لا يزال مجهولاً. واعتبر أن هذه القضية “جزء من التزام أخلاقي وإنساني لإعادة بناء الثقة مع العالم”.

 

في الكواليس: قبعة “ماجا” وابتسامة دبلوماسية

وفي ختام المقابلة، نقلت المذيعة جيليان تيرنر مشهداً طريفاً من وراء الكواليس، إذ قالت إن الشرع أخبرها بأن اجتماعاته في البيت الأبيض “كانت رائعة”، وأن الرئيس ترمب أهداه قبعة حمراء شهيرة كتب عليها شعار حملته الانتخابية:
“Make America Great Again – اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً.”
وأضاف الشرع مبتسماً أنه سيأخذها معه إلى دمشق “كتذكار من بداية عهد جديد”.

 

 

يمكن القول إن مقابلة أحمد الشرع مع فوكس نيوز شكلت نقطة تحول رمزية في مسار العلاقات السورية – الأميركية، وأعادت رسم صورة القيادة السورية الجديدة على الساحة الدولية.
فقد حرص الشرع على إيصال ثلاث رسائل أساسية:

1. القطيعة انتهت، وسوريا مستعدة لشراكة سياسية واقتصادية مع الغرب.


2. التحالفات القديمة تتغير، فدمشق تسعى إلى توازن جديد لا يعتمد على موسكو وحدها.


3. ملف العدالة والمصالحة الوطنية سيكون حجر الزاوية في إعادة بناء الدولة.

 

لكن رغم نبرة الانفتاح، بقي الشرع متمسكاً بالثوابت الوطنية، خصوصاً في ما يتعلق بالجولان والعدالة الانتقالية، ليظهر بمظهر القائد الواقعي الذي يحاول إعادة بلاده من الهامش إلى قلب المشهد الدولي.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6