أعلن وزير الدفاع اللبناني عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة سورية – لبنانية لتنسيق التحركات العسكرية والأمنية على طول الحدود الشرقية بين البلدين، بعد سلسلة حوادث شهدتها المنطقة في الأشهر الأخيرة.
الوزير أوضح أن الغرفة تهدف إلى الاستجابة الفورية لأي توتر ميداني، والتعامل السريع مع الخروقات التي تشهدها بعض النقاط الحدودية، مؤكدًا أن هذه الخطوة جاءت نتيجة “تفاهم سياسي وعسكري مشترك” أعقب لقاءات مكثفة بين الجانبين خلال الأشهر الماضية.
تطور أمني بعد توترات ميدانية
التفاهم الجديد وُصف بأنه تتويج لجهود بدأت منذ توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين في الرياض في آذار الماضي، والذي ركّز على ضبط عمليات التهريب والحد من الاحتكاكات المسلحة على الحدود الشرقية للبنان، لاسيما في مناطق الهرمل والقصير ووادي خالد.
الوزير أشار إلى أن الاتفاق ساهم في “تثبيت الهدنة” بعد أحداث دامية شهدتها الحدود في منتصف آذار، حين اندلعت اشتباكات بين وحدات من الجيش السوري ومقاتلين من “حزب الله” اللبناني قرب قرية حوش السيد علي في ريف حمص، عقب حادثة خطف وتصفيات ميدانية لثلاثة جنود سوريين.
الأزمة حينها كادت تتحول إلى مواجهة مفتوحة بين الحليفين، قبل أن تتدخل قيادات عسكرية من الجانبين للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، تلاه انسحاب لمقاتلي الحزب من القرية المتنازع عليها.
وبحسب مصادر متابعة، شكّل هذا الحادث نقطة تحوّل دفعت البلدين إلى البحث عن آلية تنسيق فورية تمنع تكرار السيناريو ذاته، ما أدى لاحقًا إلى تشكيل غرفة العمليات المشتركة.
مهام الغرفة الجديدة
الغرفة، التي تتوزع نقاطها بين مواقع حدودية في الأراضي السورية واللبنانية، تتولى التنسيق الفوري عند أي حادث أمني أو تحرك ميداني غير منسق، وتعمل كقناة اتصال مباشرة بين وحدات الجيشين.
كما تسعى إلى مراقبة مسارات التهريب، وضبط المعابر غير الشرعية، ومكافحة شبكات تهريب الكبتاغون التي كانت تنشط على جانبي الحدود خلال السنوات الماضية.
وزير الدفاع اللبناني أشار إلى أن التعاون الأمني بين البلدين أدى إلى انخفاض ملحوظ في حركة التهريب، رغم بقاء بعض “النشاطات المحدودة” على الجانبين، مؤكدًا أن الإرادة السياسية باتت “ناضجة لتوسيع التعاون وتثبيت الحدود رسميًا”.
نقاشات متقدمة حول الترسيم
مسألة ترسيم الحدود السورية – اللبنانية عادت إلى الواجهة من جديد، مع دخول أطراف دولية على خط الوساطة.
ففي آب الماضي، وافقت الحكومة اللبنانية على مبادرة فنية لترسيم الحدود تتضمن إعادة النظر في أربعة قطاعات أساسية: الهرمل – القصير، عرسال – القلمون، وادي خالد، وسلسلة جبال لبنان الشرقية.
المبادرة تنص على اعتماد الخرائط التاريخية العائدة لفترة الانتداب الفرنسي، وإجراء مسوحات طوبوغرافية مشتركة بإشراف الأمم المتحدة، وبمشاركة خبراء من الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية.
الهدف من هذه الخطوة هو تحديد “خط سيادة واضح” يمنع أي التباس في تبعية القرى والمرتفعات المتنازع عليها، خصوصًا في المناطق التي تداخلت فيها السيطرة الإدارية خلال الحرب السورية.
تعاون أمني أوسع
خلال الأسابيع الماضية، شهدت بيروت ودمشق سلسلة اجتماعات أمنية مكثفة شملت وزراء الدفاع والداخلية والخارجية في البلدين، تناولت ملفات الحدود والمخدرات والإرهاب.
في أواخر تشرين الأول، زار وفد أمني سوري بيروت لبحث سبل ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وتهريب المواد المخدرة. وتزامنت هذه الزيارة مع تصريحات لمسؤولين لبنانيين أكدت أن “التعاون الأمني مع سوريا يدخل مرحلة جديدة من التنظيم والتنسيق المنهجي”، في إشارة إلى الانتقال من التنسيق الميداني إلى إطار مؤسساتي رسمي.
بين التعاون والقلق
ورغم الإيجابية التي تحيط بالمشهد، تبقى هواجس سياسية قائمة داخل لبنان من أن يؤدي التقارب الأمني إلى إعادة نفوذ دمشق داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
فبينما يرى فريق سياسي أن التنسيق مع سوريا “ضرورة جغرافية وأمنية لا مفر منها”، يعتبر آخرون أن هذا التقارب “قد يُستغل لتكريس ارتباطات ميدانية تعقّد مستقبل ترسيم الحدود”.
لكن دوائر القرار في بيروت تؤكد أن العلاقة الجديدة “تسير ضمن إطار رسمي وتحت رقابة مؤسسات الدولة”، وأن أي اتفاق ميداني “لن يتجاوز السيادة اللبنانية”.
نحو استقرار مشروط
يبقى نجاح غرفة العمليات الجديدة مرهونًا بقدرتها على ضبط الإيقاع الميداني في منطقة تعج بالتعقيدات السياسية والطائفية.
ورغم الحديث عن “هدوء نسبي” يسود الحدود الشرقية حاليًا، إلا أن ملفات مثل تهريب الكبتاغون ووجود مجموعات مسلحة غير منضبطة تجعل هذا الهدوء هشًا وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.
غير أن مراقبين يرون في الخطوة الحالية إشارة نادرة إلى إمكانية تحويل التعاون الأمني بين البلدين إلى منصة استقرار، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والغطاء الدولي الكافي.
في النهاية، تبقى غرفة العمليات المشتركة اختبارًا حقيقيًا لقدرة لبنان وسوريا على تجاوز الماضي وبناء تنسيق أمني متكافئ، في منطقة لطالما كانت مسرحًا لصراع النفوذ أكثر من كونها جسرًا للتعاون.