في تصريح هو الأول من نوعه منذ عودة دمشق إلى المشهد الإقليمي بعد سقوط النظام السابق، كشف أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، أن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل كانت على وشك أن تُتوّج باتفاق أمني شامل، قبل أن تتراجع تل أبيب عن التزاماتها في اللحظات الأخيرة.
وقال زيدان في حديث لقناتي العربية والحدث إن “الجانب السوري أبدى مرونة سياسية غير مسبوقة في التعامل مع المقترحات الأميركية والإسرائيلية”، مؤكداً أن إسرائيل “تملصت من تعهدات أساسية تتعلق بضمانات أمنية متبادلة، وحضور مراقبين دوليين في بعض النقاط الحساسة”.
وأضاف أن دمشق لا تزال ملتزمة باتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974، مشدداً على أن “الدبلوماسية السورية تمارس صبراً استراتيجياً إزاء التصعيد الإسرائيلي، وتراقب بدقة التحركات الميدانية في الجولان والمنطقة العازلة”.
مفاوضات سرّية وتعثر اللحظة الأخيرة
تأتي هذه التصريحات بعد تقارير إسرائيلية وغربية تحدثت عن محادثات سرّية بين دمشق وتل أبيب جرت على مدى الأشهر الماضية في باكو، باريس ولندن، برعاية أميركية، وهدفها رسم تفاهمات أمنية جديدة تضبط التوتر على الحدود الجنوبية.
وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن الاتفاق المقترح كان يعيد إنتاج صيغة 1974 مع تعديلات طفيفة، من بينها إقامة لجنة أمنية ثلاثية (سورية–إسرائيلية–أميركية) للإشراف على مناطق التماس، مع تواجد مراقبين من الأطراف الثلاثة في جبل الشيخ وبعض النقاط الحدودية الحساسة.
لكن مصادر مطلعة – نقلت عنها رويترز سابقاً – أكدت أن الاتفاق انهار في اللحظة الأخيرة بسبب إصرار إسرائيل على فتح ممر باتجاه السويداء جنوب سوريا، وهو ما اعتبرته دمشق مساساً بسيادتها ووحدة أراضيها.
الدور السعودي... وتحول في المزاج السوري تجاه واشنطن
وفي مؤشر على تحوّل إقليمي متسارع، أشاد المستشار السوري بدور المملكة العربية السعودية في “إعادة دمج سوريا عربيًا”، معتبراً أن دعم الرياض أسهم في تحسين العلاقات السورية–الأميركية، وفتح قنوات دبلوماسية جديدة.
وقال زيدان إن “المزاج السوري بات أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة”، مشيراً إلى أن الخطوات الأخيرة المتعلقة برفع جزئي للعقوبات عن دمشق تمثل بادرة حسن نية من واشنطن في اتجاه إعادة صياغة العلاقات.
التوتر في الجنوب... بين الهدنة القديمة والواقع الجديد
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه إسرائيل توغلاتها داخل الجنوب السوري، وتوسّع نطاق وجودها في مناطق منزوعة السلاح، الأمر الذي تعتبره دمشق “خرقًا سافرًا لوقف إطلاق النار الموقع منذ أكثر من خمسين عامًا”.
ومنذ سقوط النظام السابق في ديسمبر الماضي، شنّت تل أبيب سلسلة هجمات جوية وصاروخية استهدفت مواقع عسكرية تابعة للقوات السورية.
وفي المقابل، تلتزم دمشق – بحسب مراقبين – بسياسة ضبط النفس في انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الدبلوماسية.
تبدو سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع حريصة على تحقيق توازن بين استعادة السيادة على كامل أراضيها، وتجنّب الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل. لكن استمرار الخروقات الإسرائيلية، وارتباط المفاوضات بضمانات أميركية معقدة، يضع أي اتفاق مستقبلي على المحك.
في المقابل، يُلاحظ أن الانخراط السعودي المتزايد في الملف السوري يعكس توجهاً عربياً لإعادة احتواء دمشق ضمن المنظومة الإقليمية، في محاولة لكبح النفوذ الإسرائيلي–الأميركي المباشر في الجنوب.
ويبقى السؤال: هل تمهّد هذه التحركات لاتفاق أمني جديد يُعيد رسم حدود النفوذ في الجولان، أم أننا أمام مرحلة هدنة مؤقتة مرشحة للانفجار في أي لحظة؟