من السياسة إلى الرقص.. ماذا يعني أن يهدم رئيس أمريكا جزءاً من بيتها الرمزي؟

2025.10.23 - 01:03
Facebook Share
طباعة

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يتوانى عن ترك بصمته الشخصية في كل موقع من مواقع السلطة، قرر هذه المرة أن يمد يده إلى قلب التاريخ الأمريكي ذاته.

ففي خطوة أثارت موجة من الجدل غير المسبوق في واشنطن، أعلن ترامب عزمه هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض لإقامة قاعة رقص فخمة بمساحة تقارب 90 ألف قدم مربع، ضمن مشروع توسعة تبلغ كلفته نحو 200 مليون دولار، بتمويل من القطاع الخاص.

ورغم محاولاته المتكررة لتبرير القرار بأنه "تحديث ضروري" للبنية التحتية القديمة، إلا أن المشروع أثار عاصفة من الانتقادات من مؤسسات التراث، أبرزها "المؤسسة الوطنية للحفاظ على التاريخ" التي وجهت رسالة رسمية إلى الإدارة الأمريكية تحذر فيها من أن القاعة الجديدة "ستهيمن بصرياً على البيت الأبيض ذاته، وتهدد الطابع التاريخي للمجمع الرئاسي الأقدم في البلاد".

المؤسسة اعتبرت أن المشروع لا يقتصر على تحديث معماري، بل يمثل "تشويهاً للتاريخ الأمريكي"، إذ تبلغ مساحة البيت الأبيض الحالي نحو 55 ألف قدم مربع فقط، أي أقل بكثير من القاعة المزمع بناؤها. ويخشى خبراء أن يؤدي التصميم الجديد إلى طمس المعالم الأصلية التي حافظت على رمزية البيت الأبيض طوال أكثر من قرنين.

 

"قرار مدروس" أم نزعة استعراضية؟

ترامب، من جانبه، بدا مصمماً على المضي قدماً رغم الاعتراضات، مؤكداً أن "الهدم الكامل هو الخيار الأفضل" بعد دراسة أجرتها فرق هندسية من "أفضل المعماريين في العالم"، مضيفاً: "الجناح الشرقي فقد أصالته، وما تبقّى منه لا يمكن إصلاحه. سنبني قاعة فريدة تليق بمكانة أمريكا الحديثة".

لكن منتقدي الرئيس يرون في المشروع امتداداً لنزعة ترامب نحو الفخامة المفرطة والاستعراض، مشيرين إلى أنه سبق أن وصف "ضجيج أعمال البناء في البيت الأبيض" بأنه "موسيقى تدندن في أذنيه".
ووفق تسريبات نشرتها شبكة CNN، فإن التصاميم الأولية التي قدمها البيت الأبيض في يوليو الماضي أظهرت بوضوح أن القاعة الجديدة ستُقام مكان الجناح الشرقي ذاته، رغم أن ترامب كان قد قال في يوليو إن المشروع "سيكون قريباً من المبنى لكن دون أن يلامسه".

 

البيت الأبيض بين الذاكرة والتجديد

يُعدّ البيت الأبيض أحد أبرز رموز التاريخ الأمريكي، شُيّد بين عامي 1792 و1800، بينما أضيف الجناح الشرقي عام 1902 ليضم مكاتب السيدة الأولى وبعض الأقسام الإدارية. وخضع المبنى لتوسعة جديدة عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يشهد أكبر عملية ترميم شاملة في عهد الرئيس هاري ترومان بين عامي 1948 و1952.

وتشير "جمعية تاريخ البيت الأبيض" إلى أن التعديلات المتكررة منذ منتصف القرن الماضي كانت دائماً "تحافظ على الهيكل التاريخي للمبنى"، بينما يُخشى اليوم أن يؤدي مشروع ترامب إلى تغيير جذري في المظهر العام للمجمع الرئاسي.

وفي هذا السياق، قال أحد مسؤولي البيت الأبيض لموقع "أكسيوس" إن المشروع "يشمل تحديثاً للبنية التحتية المتهالكة التي تعود إلى أكثر من قرن"، مضيفاً أن "نطاق المشروع قابل للتعديل مع تطور التصاميم"، في محاولة لتهدئة الانتقادات المتصاعدة.

 

بين السياسة والرمزية

يرى محللون في واشنطن أن مشروع ترامب ليس مجرد توسعة معمارية، بل تعبير رمزي عن رؤيته للسلطة، حيث يسعى الرئيس السابق إلى إعادة صياغة الصورة المؤسسية للبيت الأبيض بما يعكس طابع "الزعيم المهيمن"، لا مجرد رئيس عابر.
ويقول الخبير في التاريخ السياسي الأمريكي، دانيال ريفرز، إن "ترامب يتعامل مع البيت الأبيض كما يتعامل مع برجه الشهير في نيويورك، مشروع شخصي لتخليد اسمه في الذاكرة الأمريكية"، مضيفاً أن "هذا التوجه يتقاطع مع محاولاته لإعادة تعريف رمزية الرئاسة الأمريكية كمنبر للقوة الفردية أكثر من كونها مؤسسة وطنية".

 


"قاعة الرقص".. مشروع المجد أم كسر التقاليد؟

في حين يرى مؤيدو ترامب أن المشروع سيمنح البيت الأبيض "واجهة أكثر حداثة وأناقة" تتناسب مع مكانة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، يحذر معارضوه من أن "الفخامة المفرطة" التي يروج لها ترامب ستجعل المقر الرئاسي يفقد هويته التاريخية لصالح نزعة شخصية.

الجدل الحالي يعكس صداماً أعمق بين مفهومي "التاريخ المؤسسي" و"الزعامة الفردية"، وهو ما يجعل مشروع "قاعة الرقص" أكثر من مجرد بناء جديد... إنه معركة رمزية بين الحفاظ على الذاكرة الوطنية وإعادة تشكيلها وفق رؤية ترامب الخاصة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2