تزامن إعلان عدد من الدول الغربية نيتها الاعتراف بدولة فلسطين مع لحظة سياسية بالغة التعقيد: حرب غزة ما زالت مفتوحة، المفاوضات حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى تتعثر ثم تُستأنف، والضغط الشعبي في أوروبا وأستراليا يتصاعد ضد السياسات الإسرائيلية. وفي خضم هذا المشهد، جاء تعليق مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون الذي وصف هذه الاعترافات بأنها مجرد "تنفيس للضغوط" الداخلية، وهو توصيف يكشف عن إدراك إسرائيلي لطبيعة هذه التحركات باعتبارها أدوات ضغط رمزية أكثر من كونها مسارًا عمليًا لتغيير الواقع.
إسرائيل والقلق من الرمزية المتصاعدة
من منظور إسرائيلي، ما يقلق ليس الاعتراف بحد ذاته، بل دلالاته السياسية في المحافل الدولية. فإسرائيل تدرك أن هذه الاعترافات لن تُغير ميزان القوى على الأرض، لكنها تعزز من عزلتها الدبلوماسية وتُصعّب من تبرير استمرار الحرب على غزة أو التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. ولذلك جاء خطاب دانون محاولًا تفريغ الخطوة من مضمونها، وتحويلها إلى مجرد "تكتيك انتخابي" في العواصم الغربية.
الغرب بين الضغوط الداخلية والحسابات الدولية
بالنظر إلى دوافع هذه الدول، يمكن القول إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية جاء استجابة مباشرة لضغط الرأي العام، خصوصًا بعد الصور المتواصلة من غزة وارتفاع كلفة الحرب الإنسانية. فرنسا اختارت توقيت الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكريس خطوتها، ما يعكس رغبتها في تسجيل موقف سياسي أمام الداخل والخارج. أستراليا بدورها تبنّت الاعتراف فعلًا، في لحظة تحاول فيها حكومة ألبانيزي استعادة ثقة قواعدها اليسارية. لكن ألمانيا، بحذرها التقليدي، رفضت الانضمام لهذه المبادرة، متمسكة بخيار المفاوضات المباشرة خشية أن تؤدي الرمزية إلى انسداد سياسي أكبر.
الفلسطينيون بين الآمال والتحديات
بالنسبة للفلسطينيين، تبدو هذه الاعترافات مكسبًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا، لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بخطوات عملية: الضغط لوقف الاستيطان، فرض آليات لمحاسبة إسرائيل، أو إعادة إحياء عملية سياسية جدية. السلطة الفلسطينية رحبت بها باعتبارها تعويضًا عن عجز المفاوضات، بينما تنظر إليها حماس كورقة جديدة تضيف زخمًا لموقفها السياسي رغم استمرار الحصار والحرب.
الولايات المتحدة والموقف المتأرجح
المفارقة الأكبر أن هذه الاعترافات الغربية لا تنفصل عن الموقف الأمريكي. واشنطن، في عهد ماركو روبيو، اختارت أن تتماهى مع خطاب إسرائيل، محذرة من أن الخطوة "تعقّد المفاوضات". ورغم ذلك، فإن قدرة الولايات المتحدة على منع هذا التوجه محدودة، خصوصًا مع اتساع الفجوة بينها وبين بعض حلفائها الأوروبيين في قراءة المشهد الفلسطيني.
تاريخيًا، منذ أوسلو وحتى اليوم، كان الاعتراف بالدولة الفلسطينية ورقة تفاوضية أكثر منه مسارًا عمليًا لبناء دولة. الجديد اليوم أن هذه الاعترافات تأتي في سياق تآكل مكانة السلطة الفلسطينية وصعود الحركات المقاومة المسلحة، ما يعني أن الغرب يعترف بدولة غائبة عمليًا على الأرض، لكنه يفعل ذلك لأهداف سياسية تخصه هو: امتصاص الغضب الشعبي، وتقديم نفسه كوسيط "أخلاقي"، دون تقديم ضمانات عملية.
الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية، مهما اتسعت رقعتها، لن تغير في المدى المنظور من واقع الاحتلال أو من موازين القوة العسكرية في غزة والضفة. لكنها تكشف عن تحول تدريجي في المناخ الدولي، قد يتطور لاحقًا إلى عزلة سياسية أعمق لإسرائيل إذا استمرت الحرب وتراجعت خيارات التسوية. وبقدر ما تسعى إسرائيل لتقزيم الخطوة واعتبارها "تنفيسًا"، فإن تراكم الرمزية في الدبلوماسية الدولية يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مؤثرة، خصوصًا إذا ترافق مع حراك قانوني في المحكمة الجنائية الدولية أو مقاطعات اقتصادية أوسع.