معلمو إسرائيل يلقنون حكومتهم درساً قاسياً

متابعات _ وكالة أنباء آسيا

2025.08.26 - 05:18
Facebook Share
طباعة

تشهد إسرائيل أزمة غير مسبوقة بين نقابة المعلمين والحكومة بعد أن اختارت الأخيرة المواجهة القضائية بدلًا من الاستجابة لمطالب مهنية تراكمت عبر سنوات.
فقد تقدمت وزارة المالية بالتعاون مع مكتب المدعي العام بالتماس عاجل إلى محكمة العمل الوطنية ضد رئيس النقابة ران إيرز في خطوة تعكس تصعيدًا حادًا في العلاقة بين الطرفين الحكومة اتهمت النقابة بإساءة استخدام السلطة وتعطيل النظام التعليمي معتبرة أن تحركاتها لا تعدو كونها وسيلة ضغط سياسية تهدف إلى شل المدارس الثانوية مع بداية العام الدراسي.

جذور الأزمة وتراجع الالتزامات:

الخلاف تفجر بعد أن تراجعت وزارة المالية عن تنفيذ تفاهمات سابقة مع المعلمين شملت تعويض الساعات التي عمل فيها المدرسون من منازلهم وتوسيع حصة التقاعد المبكر للمعلمين القدامى فضلًا عن وقف تحويل أرصدة صندوق معاشات المعلمين.
هذه القرارات أثارت موجة غضب واسعة داخل النقابة التي اعتبرت ما جرى نكوصًا صريحًا عن الحقوق المكتسبة.
رئيس النقابة ران إيرز دعا إلى مفاوضات ماراثونية لإنقاذ الوضع لكن الرد جاء معاكسًا حيث اختارت الحكومة التوجه مباشرة إلى المحكمة.

الحكومة تتمسك بالاتفاقية الجماعية:

الحكومة الإسرائيلية تستند في موقفها إلى الاتفاقية الجماعية الموقعة في سبتمبر 2024 والتي تنص بوضوح على التزام الطرفين بالسلام العمالي حتى أغسطس 2029.
وترى الدولة أن إعلان نزاع عمالي في هذا التوقيت يشكل خرقًا مباشرًا للاتفاقية ويعد سلوكًا تعسفيًا وغير قانوني يضر بالطلاب والمعلمين على حد سواء. وفي مرافعتها أمام المحكمة طالبت الحكومة بفرض غرامات مالية استثنائية على النقابة لردعها عن استخدام أسلوب التهديد بتعطيل الدراسة كلما أرادت تحقيق مكاسب جديدة.

البلديات تدخل على خط المواجهة:

لم تقتصر المواجهة على الحكومة المركزية بل انضم مركز الحكم المحلي وهو الجهة المسؤولة عن تشغيل معلمي المرحلة الثانوية إلى المسار القضائي حيث قدم التماسًا لإصدار أوامر مؤقتة تمنع النقابة من تعطيل العام الدراسي. رؤساء البلديات ركزوا على ضرورة ضمان استمرار العملية التعليمية وعدم الإضرار بالطلاب الذين عانوا كثيرًا خلال سنوات جائحة كورونا والحرب الأخيرة. ورغم أنهم لم يهاجموا النقابة بشكل مباشر فإنهم شددوا على أن أي خلاف قانوني يجب أن يحل في أروقة المحاكم لا من خلال خطوات احتجاجية ميدانية.

موقف النقابة وإصرارها على التصعيد:

في المقابل يتمسك ران إيرز بموقفه مؤكدًا أن الحكومة هي التي تنصلت من التزاماتها وأن النقابة تتحرك دفاعًا عن حقوق عشرات الآلاف من المعلمين. ويرى أن القرارات الأخيرة لوزارة المالية تهدد الاستقرار الوظيفي والاقتصادي للمعلمين وتفتح الباب أمام تراجع شامل في مكانة المهنة داخل المجتمع الإسرائيلي.
النقابة تعتقد أن استمرار تجاهل مطالبها سيؤدي حتمًا إلى التصعيد وهو ما يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع قطاع يعتبر من الأعمدة الرئيسية للحياة العامة.

محكمة العمل في قلب العاصفة:

محكمة العمل الوطنية أصبحت قلب الأزمة إذ ستنظر خلال أيام في الالتماسات المقدمة من الحكومة ومركز الحكم المحلي وسط حالة من الترقب الشديد. القرار المنتظر لن يحسم فقط مصير الخطوات الاحتجاجية وإنما قد يحدد طبيعة العلاقة بين النقابة والحكومة لسنوات قادمة.
وفيما يلوّح المعلمون بالتصعيد إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم تصر الحكومة على موقفها مؤكدة أن النظام التعليمي ليس رهينة بيد اتحاد المعلمين وأن أي محاولة لتعطيل الدراسة لن تمر من دون رد.

أزمة متكررة مع بداية كل عام دراسي:

المتابع للشأن التعليمي في إسرائيل يلاحظ أن هذه الأزمة ليست الأولى من نوعها إذ يتكرر المشهد تقريبًا مع بداية كل عام دراسي. فبينما ترى الحكومة أن النقابة تستخدم قوتها التنظيمية لفرض شروط جديدة يؤكد المعلمون أن الحكومة هي من تتهرب من التفاهمات وتماطل في تنفيذ وعودها.
هذا التناقض يعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين إذ ينظر كل طرف للآخر بوصفه خصمًا لا شريكًا في إدارة قطاع حيوي يمس مستقبل الأجيال.

انعكاسات الأزمة على الداخل الإسرائيلي:

الجدل الحالي يتجاوز حدود الخلاف المهني ليكشف عن أزمات أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي.
فمن جانب يشعر المعلمون بأن مكانتهم تتراجع وأن حقوقهم تتآكل مع مرور الوقت ومن جانب آخر تخشى الحكومة من أن أي إضراب شامل سيؤدي إلى حالة غضب شعبي عارم خصوصًا أن الأهالي اعتادوا على اهتزاز روتين الدراسة في كل بداية عام دراسي.
الإعلام العبري وصف الأزمة بأنها معركة كسر عظم فيما رأى محللون أنها تكشف فشل الحكومة في إدارة الملفات الاجتماعية بعد سنوات من التركيز المفرط على القضايا الأمنية والسياسية.

استمرار الأزمة:

مهما كان القرار الذي ستصدره محكمة العمل الوطنية فإن الأزمة مرشحة للاستمرار لأن جوهر الخلاف لا يتعلق ببنود مالية محددة بل بمكانة التعليم في إسرائيل وبكيفية التعامل مع المعلمين كركيزة أساسية في المجتمع. وبينما ينتظر الطلاب افتتاح عامهم الدراسي الجديد تظل الصورة قاتمة حكومة متعنتة ونقابة غاضبة ومحكمة مضغوطة بملف معقد.
وفي النهاية يبقى العنوان الذي يتداوله كثيرون في الشارع الإسرائيلي معبرًا عن المشهد بأكمله وهو أن المعلمين هذه المرة قد يلقنون حكومتهم درسًا قاسيًا قد يمتد أثره طويلًا على النظام التعليمي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3