الموقف المصري من التهجير الفلسطيني… أبعاد أمنية وتاريخية

متابعات _ وكالة أنباء آسيا

2025.08.17 - 04:26
Facebook Share
طباعة

خلال الأسابيع الماضية شددت القاهرة على رفضها القاطع لأي مخطط إسرائيلي يستهدف ترحيل الفلسطينيين من غزة إلى سيناء. التصريحات الرسمية المصرية لم تكتفِ بإعلان الموقف السياسي، بل ربطت القضية بالأمن القومي مؤكدة أن سيناء ليست أرضًا قابلة لإعادة التوطين، وأن أي محاولة لفرض هذا السيناريو ستواجه باعتباره تجاوزًا خطيرًا للخطوط الحمراء.

الموقف المصري من خطة تهجير الفلسطينيين جاء معبّرًا عن معادلة أعمق ترتبط بالسيادة والأمن القومي والذاكرة التاريخية. القاهرة التي دفعت عبر العقود أثمانًا باهظة في الصراع العربي الإسرائيلي تدرك أن أي تهجير جماعي للفلسطينيين نحو أراضيها، سواء تحت عنوان مؤقت أو طويل الأمد، يعني فتح جرح استراتيجي يصعب إغلاقه.

تاريخيًا، استُخدم التهجير كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة. النكبة الأولى عام 1948 ثم نزوح 1967 رسما واقعًا جديدًا في الضفة الغربية وغزة وداخل دول الجوار. واليوم، تعود الفكرة عبر مشاورات إسرائيلية مع أطراف دولية حول ترحيل سكان غزة إلى سيناء. بالنسبة لمصر، القضية تتجاوز حدود التعاطف مع الشعب الفلسطيني، لتتصل مباشرة بخطر توطين يقلب التوازن الديموغرافي ويزرع بؤرة نزاع جديدة داخل حدودها.

الأمن القومي المصري يتأثر عند أي محاولة لتغيير هوية سيناء. المنطقة التي واجهت لعقود تحديات متعلقة بالإرهاب والتهريب مرشحة لأن تتحول إلى ساحة صراع مفتوح إذا نُقل إليها مئات الآلاف من الفلسطينيين قسرًا. عندها ستجد القاهرة نفسها أمام تحدٍ مزدوج: إدارة أزمة إنسانية غير مسبوقة، ومواجهة احتمالات توسع عسكري إسرائيلي بذريعة الأمن.

الرفض المصري يُقرأ كتعبير قاطع عن خط أحمر استراتيجي. أي قبول بالتهجير يعني شرعنة مشروع إسرائيلي طويل الأمد يهدف إلى إفراغ غزة من سكانها، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وعودة إلى ملف لجوء إنساني تتقاسمه دول المنطقة. القاهرة تدرك أن مثل هذا السيناريو يضعها في مواجهة مباشرة مع ضغوط إقليمية ودولية، ويحوّلها من وسيط تقليدي في الصراع إلى طرف متورط فيه.

كما يظهر في الموقف بعد قانوني وأخلاقي واضح. فالمخطط، إذا ما طُبق، يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف ويمثل تطهيرًا عرقيًا بكل المعايير. القاهرة في هذا السياق تبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بأن السكوت عن الفكرة يعني المشاركة في جريمة حرب جماعية. الرسالة تحمل تحذيرًا واضحًا: أي طرف يقبل التورط سيتحمل تبعات سياسية وقانونية قد تطارده لعقود.

اللافت أنه يفتح الباب أمام مواجهة دبلوماسية جديدة. فبينما تراهن إسرائيل على إنهاك غزة عبر الحصار والضغط العسكري، تسعى القاهرة إلى تثبيت معادلة أن القضية الفلسطينية لا يمكن حلها عبر الهندسة السكانية. وهي بذلك تضع حجر عثرة أمام أي محاولة لتحويل مأساة إنسانية إلى ورقة تفاوض على حساب الأرض والهوية.

في المحصلة، الموقف المصري يعيد تثبيت معادلة إقليمية مفادها أن أمن فلسطين مرتبط بأمن مصر. وأي مساس بحق الفلسطينيين في أرضهم يُعد مساسًا مباشرًا بالأمن القومي المصري ومكانة القاهرة كدولة مركزية في المنطقة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8