تعيش غينيا في هذه الفترة حالة من التوتر السياسي المتصاعد، حيث تواجه البلاد جدلاً واسعاً حول مشروع دستور جديد يثير مخاوف المعارضة من تمديد فترة حكم رئيس المرحلة الانتقالية، الجنرال مامادي دومبويا، المشروع الذي يُفترض أن يحدد إطار عودة النظام الدستوري، يُنظر إليه من قبل قوى المعارضة على أنه محاولة للالتفاف على ميثاق المرحلة الانتقالية، ما دفعها إلى تنظيم دعوة احتجاجات شعبية رفضاً لما وصفته بـ«مصادرة السلطة».
أعلنت «قوى الحراك الحي في غينيا»، التي تضم أبرز الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، في بيان رسمي مساء الأحد، رفضها القاطع للاستفتاء المزمع إجراؤه في 21 سبتمبر/أيلول المقبل، وترى هذه القوى أن الدستور الجديد يسعى إلى منح الجنرال دومبويا صلاحيات رئاسية دائمة، وبالتالي شطب التزاماته الانتقالية، ومنحه إمكانية الحكم مدى الحياة، وهو ما يشكل انتهاكاً واضحاً للمبادئ التي نص عليها ميثاق المرحلة الانتقالية.
يُذكر أن مشروع الدستور الذي قُدم إلى الجنرال دومبويا في يونيو 2025، جاء بعد نحو ثلاث سنوات من استيلائه على السلطة عبر انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المدني السابق ألفا كوندي في سبتمبر 2021. وبينما يفترض أن تمهيد هذا النص الدستوري يضع الأسس لعودة النظام الديمقراطي، إلا أنه لا يتضمن نصوصاً صريحة تمنع دومبويا من الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، الأمر الذي أثار شكوك المعارضة حول نوايا الحكومة الانتقالية ومصداقيتها.
تأتي هذه التحركات الاحتجاجية في ظل استمرار حظر التظاهرات الذي فرضته السلطات منذ عام 2022، وسط تقارير تتحدث عن قمع ممنهج للمعارضين، وعمليات اعتقال وملاحقات قضائية، ونفي قسري لأبرز الناشطين.
وحسب منظمة العفو الدولية، فقد أسفر قمع الاحتجاجات عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصاً منذ تولي المجلس العسكري السلطة، ما يؤكد وجود حالة من التوتر العميق والانقسامات السياسية التي تضع مستقبل غينيا على المحك.
وترى المعارضة أن تمرير الدستور بصيغته الحالية لن يكون مجرد مخالفة للمبادئ الانتقالية، بل سيكون «خيانة سياسية» بحق شعب غينيا الذي عانى لعقود من الاضطرابات والحكم العسكري المستمر. وتشير إلى أن هذه الخطوة قد تقود البلاد إلى مزيد من عدم الاستقرار والصراعات السياسية التي قد تعصف بأي أمل في استعادة الديمقراطية الحقيقية.
في ضوء هذه التطورات، يبقى التساؤل الكبير عن مدى قدرة دومبويا وحكومته على فرض رؤيتهم الدستورية رغم المعارضة الشديدة، وما إذا كان الحوار الوطني لا يزال ممكناً كمسار لتجاوز الأزمة أم أن البلاد ستتجه نحو المزيد من التصعيد والصدامات.
لقد عكست الأزمة الغينية الراهنة نموذجاً صعباً للتحولات السياسية التي تمر بها بعض الدول الإفريقية، حيث تتداخل رغبة العسكريين في البقاء بالسلطة مع مطالب الشعوب بالتحول الديمقراطي، في معركة مفتوحة على مستقبل الشعوب ومستوى استقرارها السياسي والاجتماعي.