وسط استمرار الحرب الدامية في غزة وبدايات موجة جديدة من التصعيد العسكري، تظهر تقارير صحفية تكشف عن لقاء غير معلن بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ورئيس وزراء قطر محمد بن عبدالرحمن في مدينة إيبيزا الإسبانية، لبحث خطة دبلوماسية تهدف إلى إنهاء الصراع وإطلاق سراح الرهائن.
تعكس هذه الخطوة الدبلوماسية إلحاح الوساطة الإقليمية والدولية للضغط نحو تسوية، لكنها في الوقت ذاته تكشف التباينات العميقة بين مواقف اللاعبين الإقليميين والدوليين وتطرح تساؤلات جادة حول مدى جدية الأطراف المعنية في إنهاء المعاناة الإنسانية وإحراز سلام مستدام.
اللقاء في إيبيزا يبدو كأنه محاولة لاستعادة زمام المبادرة من الميدان العسكري إلى الطاولة الدبلوماسية، لا سيما أن اختيار هذه المدينة المحايدة يؤشر إلى رغبة في تقديم مبادرة خارج النفوذ المباشر لإسرائيل والفصائل الفلسطينية.
قطر، التي تمتلك تاريخًا من الوساطة مع الفصائل الفلسطينية، تحاول استثمار نفوذها الإقليمي والدولي عبر تعزيز دورها كوسيط قادر على تقديم حلول وسط تنسجم مع مصالح الأطراف المتصارعة.
من جهة أخرى، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تخفيف التوتر الدولي والضغط على إسرائيل لتأجيل العمليات العسكرية الواسعة التي قد تفاقم الأزمة الإنسانية، ما يفسر تحرك مبعوثها الخاص بهذا الاتجاه.
لكن هذه المبادرة لم تخلُ من تحديات جذرية، إذ تؤكد تصريحات مسؤول إسرائيلي رفيع أن "حرب إسرائيل ليست مع الولايات المتحدة"، في إشارة واضحة إلى وجود فجوة شاسعة بين المفاوضات الدبلوماسية وطموحات تل أبيب العسكرية التي لا تزال متمسكة بإجراءاتها على الأرض، ما يعقد من إمكانية الوصول إلى تسوية سريعة وواقعية.
وفقًا لتقارير إعلامية متعددة، فإن هذه المحادثات قد تؤدي إلى تأجيل الهجوم الإسرائيلي المخطط على مدينة غزة، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التأجيل خطوة دبلوماسية حقيقية أم تكتيك عسكري يهدف إلى إعادة التموضع.
من بين هذه المصادر، يبرز تقرير موقع "أكسيوس" الأمريكي الذي يسلط الضوء على أهمية المقترح الدبلوماسي المتوقع تقديمه، والذي يهدف إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين لدى حماس، وربط ذلك بتأجيل هجوم إسرائيلي واسع على غزة.
يشير "أكسيوس" إلى أن هذا المقترح قد يوفر فترة هدوء مؤقتة تسمح بإعادة ترتيب الأوراق السياسية والإنسانية، بالإضافة إلى إتاحة فرصة أوسع لتدخل المجتمع الدولي في تخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
ومع ذلك، لا يخفي التقرير التحفظات على نجاح هذا المسعى نظراً للفجوة الكبيرة في المواقف بين الأطراف، ورفض إسرائيل تقديم تنازلات جوهرية قبل تحقيق أهدافها العسكرية.
تجسد هذه التباينات عمق الأزمة السياسية والعسكرية الراهنة، إذ تبدو الوساطات الأمريكية والقطرية محاولة لإدخال عنصر جديد في الصراع قد يخفف من حدته بشكل مؤقت، لكنه يواجه جدارًا صلبًا من المواقف الإسرائيلية الرافضة لتقييد حركتها العسكرية.
على الصعيد الإقليمي، تستغل قطر نفوذها المتنامي لتبوء مركز الوسيط الرئيسي، بينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا دولية متزايدة تستوجب البحث عن حلول سياسية حتى في ظل دعمها الاستراتيجي لإسرائيل.
أما المواقف الرسمية، فتبقى متحفظة مع غياب تصريحات مباشرة من إسرائيل والولايات المتحدة حول نتائج اللقاء في إيبيزا، فيما أكدت مصادر دبلوماسية وجود حوار مكثف مع تحفظات إسرائيلية واضحة على أي مبادرة سياسية قبل تحقيق أهدافها العسكرية، في حين شددت قطر على التزامها بالوساطة وتركيزها على ملف إطلاق الرهائن كجزء من الحل.
اللقاء السري الذي يجرى بعيدًا عن الأضواء يعكس مدى تعقيد المشهد السياسي والأمني، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع الدبلوماسية في صراع يعاني من فجوات كبيرة بين الأطراف، ما يجعل أية تسوية صعبة المنال في ظل استمرار التصعيد على الأرض. تبقى المبادرة الأمريكية القطرية أملًا هشًا لكنه قد يمثل فرصة لوقف مؤقت للنار، مرتبط بشكل وثيق بتوازن القوى وقدرة الوساطات على التأثير في حسابات الأطراف المتصارعة.