في خطوة هي الأجرأ منذ سنوات، أعلن مجلس الوزراء اليمني، السبت 9 أغسطس 2025، حزمة قرارات اقتصادية حاسمة تهدف إلى إعادة صياغة المشهد النقدي والإنمائي في البلاد.
القرار الأبرز تمثل في حصر التعامل المالي بالريال اليمني ومنع استخدام العملات الأجنبية في جميع المعاملات، بالتزامن مع إطلاق مشاريع نفطية وتجارية عملاقة في حضرموت، في رسالة مباشرة: "السيادة الاقتصادية لن تُشترى بالدولار".
قلب الطاولة على السوق الموازية
الاجتماع الدوري للحكومة أقر إجراءات مشددة لتطبيق قانون حصر التعامل بالريال اليمني، مع تهديد بعقوبات صارمة على أي مخالف، خصوصًا في مجالات العقارات والتجارة الكبرى. كما وجهت الحكومة دعوة للتجار والمستوردين لتخفيض أسعار السلع الأساسية بما يتماشى مع استقرار سعر الصرف، محذّرة من أن التلاعب بالأسعار لن يُسمح به.
إلى جانب ذلك، صدقت الحكومة على تنفيذ مشاريع استراتيجية تشمل إنشاء مصفاة نفطية متكاملة، وصهاريج تخزين، ومنطقة حرة في حضرموت، إضافة إلى خطط لدعم صناعة الأدوية محليًا وتطوير البنية التحتية في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، مع التركيز على المناطق النائية.
مشهد سياسي واقتصادي منقسم
القرارات تأتي في ظل انقسام سياسي عميق بين سلطتين: المجلس السياسي الأعلى في صنعاء (تحت سيطرة الحوثيين) والمجلس الرئاسي في عدن (المعترف به دوليًا)، ولكل منهما مؤسسات نقدية وسياسات اقتصادية مستقلة.
هذا الانقسام خلق اقتصادين منفصلين داخل البلد، مع تباين كبير في أسعار الصرف بين عدن وصنعاء، ما يجعل تطبيق أي سياسة موحدة تحديًا حقيقيًا.
وفق البنك الدولي، الناتج الفردي في اليمن تراجع إلى 42% من مستواه عام 2015، بينما تقلصت الإيرادات الحكومية إلى النصف بسبب توقف صادرات النفط وتحويل الواردات إلى موانئ الحوثيين.
ضغط إنساني خانق
الوضع الإنساني يفاقم تعقيد المشهد: 62% من السكان يعانون من استهلاك غذائي غير كافٍ، وسوء التغذية الحاد ارتفع من 21% عام 2024 إلى 33% في 2025، فيما يعتمد أكثر من 17 مليون شخص على المساعدات الغذائية.
كما تفرض سلطات الحوثيين قيودًا على عمل المنظمات الإنسانية عبر "المجلس الأعلى لإدارة وتنظيم الشؤون الإنسانية"، ما أثر سلبًا على توزيع المعونات وأدى لعمليات اعتقال وإخفاء لمسؤولين في المجال الإنساني.
الحرب كعامل اقتصادي مباشر
من مارس حتى مايو 2025، نفذت الولايات المتحدة وبريطانيا أكبر موجة ضربات جوية على الحوثيين منذ سنوات، استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية حيوية مثل منشأة رأس عيسى النفطية في الحديدة، ما أسفر عن مقتل وإصابة المئات، وزاد من تعميق الأزمة الإنسانية وضرب قدرة البلاد على استيراد الوقود.
ورغم هدنة مؤقتة بوساطة عمان في منتصف 2025، لم تتوقف الهجمات البحرية الحوثية، خاصة ضد إسرائيل، ما أبقى التوترات العسكرية مرتفعة وأثر بشكل مباشر على بيئة الاستثمار.
تظهر القرارات الحكومية كمحاولة جريئة لفرض السيادة النقدية وكبح السوق الموازية، لكنها تواجه ثلاثة تحديات رئيسية:
1. ضعف البنية المؤسسية والرقابية، ما يعرقل فرض القانون بشكل موحد على جميع المحافظات.
2. الهشاشة الاقتصادية الناتجة عن الانقسام السياسي وتراجع العوائد النفطية، ما يجعل أي سياسة نقدية عرضة للانتكاس.
3. الضغط الإنساني الذي يزيد من هشاشة المجتمع ويهدد بخلق رد فعل شعبي سلبي إذا ارتفعت الأسعار أو نقصت السلع بسبب قيود العملة.
شلل سياسي يفاقم الأزمات
المشهد السياسي في اليمن بات مرهونًا بصراع القوى الداخلية والإقليمية، حيث تعجز الأطراف المتصارعة عن التوصل لأي توافق يوقف النزيف المستمر. وفي ظل استمرار الحرب والانقسام بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين، دخلت مؤسسات الدولة في حالة شلل شبه كامل، ما أفرغ السلطة من قدرتها على إدارة الملفات الحيوية.
اقتصاد على حافة الانهيار
وفقًا لتقارير اقتصادية حديثة، تراجعت قيمة الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة إلى مستويات قياسية، حيث تجاوز سعر الدولار حاجز الـ 1800 ريال، وسط تحذيرات من انهيار شامل إذا استمرت الاضطرابات السياسية والفساد المالي. وأشارت بيانات اقتصادية إلى أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة تتجاوز 50% خلال الأشهر الأخيرة، ما عمّق معاناة ملايين اليمنيين الذين يعيش أكثر من 80% منهم تحت خط الفقر.
تحذيرات دولية من كارثة وشيكة
منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) — منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة — حذّرت في أحدث تقاريرها من أن استمرار تدهور سعر العملة اليمنية سيؤدي إلى فقدان القدرة على استيراد الغذاء والوقود، مما قد يفاقم خطر المجاعة التي تهدد ملايين السكان. كما لفتت الأمم المتحدة إلى أن انعدام الأمن الغذائي في اليمن هو الأسوأ عالميًا، وأن الأزمة مرشحة للتفاقم إذا لم يتم احتواء الانهيار الاقتصادي.
مشهد سياسي مأزوم واقتصاد متهالك
بحسب تقرير (International Crisis Group) — مجموعة الأزمات الدولية — فإن المشهد اليمني يشهد تداخلًا غير مسبوق بين تعقيدات السياسة وانهيار الاقتصاد، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية العميقة.
وتؤكد المجموعة أن غياب الحلول السياسية الفاعلة وغياب سلطة موحدة قادرة على فرض الاستقرار الاقتصادي، جعلا البلد رهينة للتقلبات المالية والضغوط المعيشية.
وتشير البيانات الأخيرة للبنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لليمن انكمش بأكثر من 50% منذ 2015، فيما توقفت معظم القطاعات الإنتاجية عن العمل، ما جعل الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات والتحويلات الخارجية.