يتسارع الانهيار الصحي والإنساني في السودان بوتيرة مرعبة، وسط توسع رقعة الحرب وتدهور مقومات الحياة، لتتحول البلاد إلى بؤرة مفتوحة للأوبئة والمجاعة، يواجه فيها المدنيون الموت من عدة جهات. الكوليرا، التي عادت بقوة خلال العام الماضي، أصبحت خطرًا متجذرًا لا يهدد الصحة فقط، بل يضاعف مأساة الجوع وسوء التغذية المنتشر أصلًا في كل أنحاء البلاد.
أعلنت منظمة الصحة العالمية، الخميس، تسجيل نحو 100 ألف إصابة مؤكدة بالكوليرا منذ يوليو 2024، مع تفشي الوباء في جميع ولايات السودان، ما يعكس خطورة الانتشار وشمول الأزمة. مدير عام المنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، أوضح أن الكوليرا باتت جزءًا من الواقع اليومي في البلاد، رغم الجهود المبذولة عبر حملات تطعيم في بعض المناطق، منها العاصمة الخرطوم.
انتشار المرض لم يأتِ مفاجئًا، إذ تهيأت له ظروف معقدة؛ انهيار البنية التحتية، تعطل شبكات المياه والصرف الصحي، غياب الإمدادات الطبية، وتكدّس ملايين النازحين في بيئات مغلقة تفتقر لأدنى معايير الوقاية والنظافة. الكوليرا ليست مجرد عدوى عابرة، بل مرض يفتك بسرعة، خاصة حين يفتقد المصابون إلى الرعاية العاجلة.
التقارير الصحية تشير إلى أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التعقيد، خصوصًا بعد الفيضانات الأخيرة التي ضربت مناطق واسعة من البلاد. هذه السيول زادت من تلوث مصادر المياه، وخلقت بيئة خصبة لتكاثر البكتيريا المسببة للكوليرا، إلى جانب تفشي أمراض أخرى مثل الملاريا وحمى الضنك.
في موازاة ذلك، تستمر معدلات سوء التغذية في الارتفاع، ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يُتوقع أن يعاني نحو 770 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد خلال هذا العام. التغذية الضعيفة تُضعف مناعة الأطفال، ما يجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات القاتلة عند الإصابة بالكوليرا وأمراض أخرى.
داخل مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، ظهرت ملامح الأزمة بأقسى صورها. تقارير ميدانية تؤكد أن السكان هناك اضطروا للبحث عن علف الحيوانات كغذاء بديل، في ظل شح الموارد الغذائية وانقطاع المساعدات. هذه المشاهد تعكس مستوى المعاناة التي يعيشها آلاف المدنيين المحاصرين، حيث تنعدم الخيارات وتُستنزف طاقة التحمل.
في مناطق أخرى من السودان، يواجه السكان ظروفًا مشابهة. النزوح المستمر أفرغ القرى من سكانها، ودفع الملايين إلى مخيمات عشوائية، تفتقر لمياه الشرب النظيفة، ولا تحتوي على مرافق صحية أو نقاط إسعاف عاجلة. الأطفال والكبار يعانون من الإسهال والجفاف وتسمم المياه، في ظل غياب شبكات إنذار مبكر أو أنظمة استجابة صحية فعالة.
ومع التوسع الجغرافي للكوليرا، أصبحت الحاجة ملحة لتكثيف جهود الوقاية والعلاج، وتوفير حزم تدخل صحي متكاملة تشمل مياه الشرب الآمنة، وحدات تطهير المياه، وتوزيع المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية للمصابين. كما تزداد الحاجة إلى توعية المجتمعات المحلية بطرق الوقاية، خصوصًا في المناطق الريفية والمخيمات التي يصعب الوصول إليها.
أوضاع الكوادر الطبية في السودان تعكس جانبًا آخر من الأزمة. أعداد كبيرة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة بسبب الحرب أو نقص المستلزمات، ما اضطر العاملين إلى تقديم العلاج في ظروف بدائية، باستخدام وسائل متاحة ومحدودة. حالات الإصابة بالكوليرا تصل أحيانًا بعد فوات الأوان، لتُسجّل في خانة الوفيات.
الكوليرا ليست العنوان الوحيد، بل وجه آخر لحرب تجتاح جسدًا ضعيفًا، وتهدد ملايين الأرواح الهشة. كل مؤشر صحي يتجه نحو الأسوأ: ارتفاع عدد الوفيات، تمدد النزوح، نقص الغذاء، تدهور الرعاية. هذه الأزمات لا تنفصل عن بعضها، بل تتراكم كطبقات فوق جسد المجتمع السوداني، وتزيد من حدة المعاناة.
المعركة اليوم ليست فقط مع السلاح، بل مع الماء الملوث، والدواء الغائب، والجوع اليومي، والخوف من العدوى. وهي معركة تتطلب استجابة عاجلة على الأرض، وتنسيقًا فعالًا بين الأطراف الإنسانية لتخفيف حدة الانهيار. الوقاية، الرعاية، التغذية، والنظافة – هذه ليست كماليات، بل شروط لبقاء ملايين السودانيين على قيد الحياة.