في الوقت الذي يشهد فيه العالم تطوراً تقنياً متسارعاً، تتسلل هذه الابتكارات إلى أكثر مناطق العالم هشاشة، ولكن ليس لخدمة التنمية وانما لإعادة إنتاج الفوضى.
في الساحل الأفريقي، لا تبدو الحرب مجرد صراع مسلح، بل تحوّلت إلى مختبر دموي تُجرّب فيه الجماعات الإرهابية أدوات تكنولوجية معقدة وسط غياب الدولة، وانهيار البنى الاجتماعية، وصمت المجتمع الدولي.
في جلسة لمجلس الأمن عُقدت بالأمس الخميس، دقّت الأمم المتحدة ناقوس الخطر إزاء تصاعد العمليات الإرهابية في منطقة الساحل، محذّرة من أن الجماعات المسلحة باتت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، وتقنيات الاتصالات المشفرة، في وقت يُسجل فيه انهيار أمني وإنساني حاد.
الممثل الخاص للأمين العام ورئيس مكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا والساحل، ليوناردو سانتوس سيماو، قال إن الجماعات المتطرفة تطوّرت من حيث التخطيط والأدوات، وتعمل في تنسيق وثيق مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وأشار إلى أن أمن الملاحة البحرية بات مهدداً، وأن الشباب أصبحوا أهدافاً رئيسية للتجنيد، في ظل فشل الجهود التنموية.
بين أبريل ويوليو 2025، تم تسجيل أكثر من 400 هجوم إرهابي في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، أسفرت عن نحو 2870 قتيلاً، وفق بيانات مشروع "أحداث ومواقع النزاعات المسلحة". هذا التصعيد، بحسب الأمم المتحدة، يُفاقم أزمة إنسانية غير مسبوقة، في منطقة لم يُموَّل منها سوى 14% فقط من خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي.
النساء والفتيات يتحمّلن العبء الأكبر، كما حذّرت سيما بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي وصفت الحياة في مناطق سيطرة المتطرفين بـ"المحو الكامل للنساء من الحياة العامة". أكثر من مليون فتاة خارج المدارس، و60% منهن لم تطأ أقدامهن الفصل الدراسي من قبل، في ظل تفشي زواج القاصرات والعنف الجنسي. وتُجبر النساء على قطع مسافات طويلة لجلب المياه والحطب، فيما أبلغت ثلثا النساء عن شعور دائم بعدم الأمان خلال هذه الرحلات.
وفي مداخلة أخرى، شدّدت السفيرة الأميركية دوروثي شيا على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي بين دول الساحل ودول خليج غينيا، رغم التوترات مع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس). وربطت شيا بين تصاعد الأزمة في الساحل وتداعيات الحرب في السودان، التي تسهم في تدفق الأسلحة الخفيفة وخلق بيئة أمنية مضطربة.
ومع صعود جماعات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، وداع. ش في الصحراء الكبرى"، و"بوكو حرام" التي تنفذ هجمات عابرة للحدود وتسيطر على مدن وقواعد عسكرية، بات واضحًا أن الأزمة تتجاوز البعد الأمني التقليدي.
ما يجري في الساحل، وفق معطيات مجلس الأمن، أزمة بنيوية شاملة تهدد بانهيار التعليم والصحة وتفكك المجتمعات المحلية.
ومع تطوّر التقنيات المستخدمة من قبل الجماعات الإرهابية، وتقلص الاستجابة الإنسانية، يقترب الساحل من التحول إلى منطقة منكوبة بشكل دائم، ما لم تتشكّل جبهة إقليمية موحدة، تُدمج فيها الحلول الأمنية بالتنموية، وتعالج جذور النزاع لا أعراضه فقط.