في ظل تصاعد التحركات الأحادية من جانب إثيوبيا تجاه سد النهضة، أجرى رئيس مجلس الوزراء الانتقالي السوداني، الدكتور كامل الطيب إدريس، زيارة رسمية إلى القاهرة، التقى خلالها نظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي.
جاءت الزيارة في توقيت بالغ الأهمية، قبل أسابيع من إعلان إثيوبيا تدشين السد رسميًا، لتحمل رسالة واضحة مفادها أن موقف الخرطوم من ملف السد لم يتغير رغم الحرب المشتعلة في الداخل السوداني.
اللقاء شهد مناقشات موسعة حول ملف مياه النيل، حيث أكد الجانبان تمسكهما بالاتفاقيات التاريخية المنظمة لتقاسم المياه، وفي مقدمتها اتفاقية 1959. وخرجت الزيارة ببيان مشترك شدد على رفض البلدين للنهج الإثيوبي الأحادي، وضرورة العودة إلى مسار تفاوضي جاد وملزم، يضمن حقوق مصر والسودان، ويحافظ على استدامة النهر كمورد حياة مشترك.
تثبيت الاتفاقات القانونية:
أعادت القاهرة والخرطوم تأكيد التزامهما باتفاقية 1959، باعتبارها المرجعية القانونية الأساسية لتقاسم مياه النيل بين دولتي المصب. وتنص الاتفاقية على منح مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، والسودان 18.5 مليار متر مكعب، وقد استندت بدورها إلى اتفاقيتي 1902 و1929، اللتين نصّتا صراحة على عدم إقامة أي مشروعات على النيل أو روافده تؤثر على تدفق المياه إلى دولتي المصب دون موافقتهما.
البيان المشترك أكد أن «التحركات الإثيوبية الأخيرة لا تنسجم مع مبادئ القانون الدولي، ولا مع روح التعاون المفترض أن تحكم العلاقة بين دول الحوض»، كما جدّد التأكيد على تفعيل دور الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، لمواصلة التنسيق الفني والقانوني في مواجهة أي تحركات تهدد الأمن المائي للدولتين.
مشهد تفاوضي مغلق منذ 2023م :
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظل انسداد سياسي تام في ملف التفاوض، بعد أن أعلنت مصر رسميًا في نوفمبر 2023 فشل الجولة الأخيرة من المحادثات الثلاثية مع إثيوبيا، وإغلاق مسار التفاوض الذي استمر على مدار 13 عامًا دون التوصل لاتفاق قانوني ملزم.
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وصف مؤخرًا دعوة إثيوبيا لمصر والسودان لحضور افتتاح السد في سبتمبر المقبل بأنها «عبثية»، مؤكدًا أن المياه ليست محل مساومات سياسية، بل «قضية وجود»، وأن إثيوبيا أظهرت خلال أكثر من عقد من المفاوضات «غيابًا تامًا للإرادة السياسية».
مخاطر الجغرافيا والجيولوجيا في موقع السد:
يقع سد النهضة في منطقة بني شنقول-قماز غرب إثيوبيا، على بعد 20-40 كيلومترًا فقط من الحدود السودانية. وتكشف الطبيعة الجغرافية والجيولوجية للمنطقة عن مجموعة من التحديات التقنية والبيئية الخطيرة، من بينها النشاط الزلزالي والبراكين، وانتشار الصخور البازلتية ضعيفة التماسك، والانحدارات الشديدة، ما يزيد من احتمالات التآكل والانهيارات الأرضية.
هذه التحديات تطرح تساؤلات حول استقرار المشروع على المدى الطويل، وتثير مخاوف لدى السودان من احتمال انهيارات أو فيضانات مفاجئة، خصوصًا أن الخرطوم هي أول من سيتلقى صدمة أي فشل هيكلي في بنية السد..jpg)
المشروع الضخم... بين الطاقة والتنمية والنزاع:
تقول إثيوبيا إن الهدف الأساسي من بناء السد هو توليد الطاقة الكهرومائية وليس احتجاز المياه، وتشير التصريحات الرسمية إلى أن وحدات التوليد البالغ عددها 15 وحدة ستنتج مجتمعة 5250 ميغاوات من الكهرباء، ما يعزز قدرة البلاد على تصدير الطاقة لدول الجوار.
لكن دولتي المصب، مصر والسودان، تشككان في النوايا الإثيوبية، خاصة في ظل غياب الاتفاق القانوني، وتخوفات من أن يستخدم السد كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، أو أن يُوظف داخليًا لدعم النظام الحاكم في أديس أبابا في مواجهة التوترات العرقية الداخلية.
مصر والسودان... تنسيق سياسي أم خيارات استراتيجية؟
الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء السوداني المؤقت إلى القاهرة لم تكن محصورة في الأطر البروتوكولية، بل هدفت فعليًا إلى إعادة تثبيت وحدة الموقف بين البلدين تجاه الملف المائي. وقد شدد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق في تصريحاته لـ"الشرق الأوسط"، على أن «النهج الإثيوبي يشكل تهديدًا وجوديًا، ويخالف القوانين الدولية المنظمة للأنهار المشتركة».
وفي الاتجاه ذاته، أكد السفير علي الحفني أهمية إظهار أن الحرب في السودان لم تُنسِ الخرطوم مخاطر السد، بل إن التنسيق قائم ومفتوح مع مصر في هذا الملف، الذي يمس الأمن القومي للدولتين على السواء.
سيناريوهات المستقبل بين التصعيد والتدويل:
في ظل الجمود التفاوضي، وانفراد إثيوبيا بإدارة ملف السد، يبقى الخيار المصري - السوداني حاليًا محصورًا بين المسارات الدبلوماسية، والتصعيد السياسي في المحافل الدولية، بما في ذلك العودة إلى مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية.
وكانت مصر قد سبق وتقدمت برسالة إلى مجلس الأمن في يونيو 2020 طالبة التدخل لحماية حقوقها المائية، كما أبلغت الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن القاهرة ستتخذ «جميع الإجراءات اللازمة بموجب القانون الدولي لحماية أمنها المائي».
لكن في المقابل، ترى أديس أبابا أن السد لا يمثل تهديدًا بل فرصة لتعزيز التعاون الإقليمي، ما يعكس استمرار الفجوة العميقة في التصورات بين الأطراف.
أمن الماء... أمن الدولة:
يبقى أن ملف سد النهضة لم يعد مجرد أزمة سياسية أو نزاع حدودي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة دولتي المصب على الدفاع عن أمنهما المائي، وهو جزء لا يتجزأ من أمنهما القومي.
وفي ظل استمرار إثيوبيا في فرض الأمر الواقع، وتضاؤل فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية عادلة، يصبح السؤال الجوهري هو: إلى أي مدى يمكن أن تصمد خيارات التنسيق والدبلوماسية أمام مشروع فرض الهيمنة على شريان الحياة في وادي النيل.