إشكالية العفو العام في لبنان: جدلٌ بين الإنسانية والأمن

رامي عازار

2024.12.21 - 10:25
Facebook Share
طباعة

 يُثار في لبنان جدل واسع حول إصدار قانون عفو عام يشمل الموقوفين والمحكومين في السجون اللبنانية، وتأتي هذه الدعوات في ظل الأوضاع المزرية للسجون التي تعاني من اكتظاظٍ خانق، يصل إلى 330%، ونقص حاد في الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى بطء في المحاكمات، ومع ذلك، تثير هذه القضية انقسامات سياسية ومجتمعية عميقة بين من يعتبر العفو ضرورة إنسانية ومن يرى فيه تهديداً للأمن العام وسيادة القضاء.


أوضاع السجون: أزمة إنسانية خانقة
السجون اللبنانية تُواجه أزمات متراكمة منذ عقود، أبرز المشاكل تشمل:
- الاكتظاظ الشديد: تعاني السجون من عدد نزلاء يفوق طاقتها بكثير، والوضع تفاقم بعد العدوان الإسرائيلي، حيث تم نقل سجناء من مناطق الجنوب إلى سجون أخرى، مما زاد الضغط على المرافق.
- غياب برامج التأهيل: تفتقر السجون إلى أي برامج جدّية للتأهيل أو التدريب المهني للسجناء، ما يعرقل اندماجهم في المجتمع بعد انتهاء عقوبتهم.
- تردّي الخدمات الصحية: يعاني السجناء من نقص الرعاية الطبية، حيث تنتشر الأمراض المزمنة والمعدية في ظل الإهمال الصحي.
- بطء المحاكمات: معظم السجناء في لبنان موقوفون احتياطياً، بانتظار محاكماتهم لسنوات طويلة، ما يخالف المبادئ الدستورية التي تؤكد أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.


قانون العفو العام: بين الضرورة والمخاوف
الدعوة لإصدار قانون عفو عام تستند إلى رغبة في تخفيف الاكتظاظ وتحسين أوضاع حقوق الإنسان في السجون، مع ذلك، تواجه هذه الدعوات انتقادات واسعة لأسباب متعددة:

تأثيره على القضاء:
- يؤدي العفو العام إلى تعطيل نظام العقوبات ويهدم الجهود القضائية التي بذلت للتحقيق وإصدار الأحكام.
- يُشجّع على ارتكاب الجرائم عند غياب الردع المناسب.


المخاوف الأمنية:
- يثير إطلاق سراح السجناء المتهمين بجرائم إرهابية أو قتل العسكريين مخاوف محلية ودولية.
- تلقت السلطات اللبنانية تحذيرات أمريكية وأوروبية من مغبة إطلاق سراح معتقلين إسلاميين متهمين بالإرهاب، خوفاً من عودتهم إلى نشاطاتهم السابقة.


الانقسامات السياسية:
- القوى السياسية منقسمة حول طبيعة القانون والفئات التي يمكن أن يشملها، وبعض الأطراف ترفض شمول قتلة العسكريين أو مرتكبي الجرائم الخطيرة.
- يثير اقتراح إدراج رموز بارزة، مثل الشيخ أحمد الأسير، في العفو خلافات حادة بين السياسيين وعائلات الضحايا.


الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية:
- تتخوف بعض الجهات من أن يصبح إصدار قوانين العفو عادة تُفرغ النظام القضائي من معناه وتخلق حالة من الإفلات من العقاب.
- يُعارض البعض تحويل العفو إلى "عرف سياسي" يُستخدم لكسب الشعبية على حساب العدالة.


الحلول والبدائل الممكنة
بدلاً من إصدار قانون عفو شامل، يمكن اتخاذ خطوات إصلاحية متوازنة تُعالج الأزمة دون المساس بسيادة القانون، منها:
- تسريع المحاكمات: تخصيص لجان قضائية خاصة للإسراع في البت بالقضايا العالقة، خاصة للموقوفين الذين لم تُثبت إدانتهم.
- العفو المشروط: إصدار عفو محدود يشمل الجرائم البسيطة وغير العنيفة، مع استثناء مرتكبي الجرائم الخطيرة مثل القتل والإرهاب.
- تفعيل المراقبة القضائية: السماح للموقوفين غير الخطرين بالخروج بشروط، مع إخضاعهم لمراقبة قضائية مستمرة لضمان عدم عودتهم إلى الجرائم.
- تحسين ظروف السجون: تخصيص ميزانيات لتطوير البنية التحتية للسجون، وزيادة الرعاية الصحية، وإنشاء برامج تأهيل للسجناء لتمكينهم من دخول سوق العمل بعد إطلاق سراحهم.
- إصلاح القضاء: تطوير النظام القضائي لضمان البت السريع والعادل في القضايا، مما يُخفف من تراكم الملفات وتزايد أعداد الموقوفين احتياطياً.


تأثير العفو على المجتمع والأمن
أي قانون عفو عام يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الآثار بعيدة المدى على المجتمع، ومنها:
- زيادة الجرائم: احتمال عودة بعض المُفرج عنهم إلى ارتكاب الجرائم نتيجة غياب برامج التأهيل وعدم وجود فرص عمل مناسبة.
- التأثير على ثقة الشعب بالقضاء: يشعر المواطنون بالإحباط عندما تُلغى الأحكام القضائية بقرارات سياسية.
- التوازن الأمني: إطلاق سراح سجناء متهمين بجرائم إرهابية قد يشكّل تهديداً لاستقرار البلاد.

 

 

بين الضغوط الإنسانية لتحسين أوضاع السجناء والحفاظ على النظام القضائي والأمني، يُشكّل قانون العفو العام معضلة معقدة في لبنان، يتطلب الحل توافقاً سياسياً وقضائياً بعيداً عن الشعبوية، مع التركيز على إصلاح جذري لأوضاع السجون والنظام القضائي، وحتى ذلك الحين، يبقى العفو العام مشروعاً جدلياً محفوفاً بالمخاطر، ما لم يُنفّذ ضمن ضوابط صارمة وشروط متوازنة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2