الخليل بين الاحتلال والاستيطان.. معركة على الأرض والجغرافيا والسكان

2026.11.02 - 20:56
Facebook Share
طباعة

انسحاب عسكري لا ينهي تداعيات العدوان
لا يبدو الانسحاب الإسرائيلي من مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، في الثاني من تشرين الثاني 2026، نهايةً لتداعيات العملية العسكرية التي استمرت عشرة أيام، بقدر ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن أهداف الإجراءات التي رافقتها، من إخلاء المنازل والاستيلاء عليها إلى الهدم وإغلاق المتاجر وشل الحركة بين الأحياء.
فخلال العملية، وجد سكان مناطق عدة أنفسهم أمام أوامر إخلاء ومهل زمنية قصيرة لمغادرة منازلهم ومنشآتهم، قبل أن تتحول بعض المباني إلى مواقع عسكرية، فيما تضررت البنية السكنية والتجارية والخدمية للمدينة. وتثير هذه الممارسات مخاوف من أن تتحول الإجراءات المعلنة لأسباب أمنية إلى وسيلة لفرض واقع جغرافي وسكاني جديد، يعزز السيطرة الإسرائيلية ويقوض قدرة الفلسطينيين على البقاء والتواصل داخل المدينة ومحيطها.


أرقام تكشف حجم الضرر
قال محافظ الخليل خالد دودين، الاثنين، إن القوات الإسرائيلية انسحبت من المدينة عقب عملية عسكرية استمرت عشرة أيام، مشيراً إلى أن العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها بات بإمكانها العودة إليها.
لكن الانسحاب جاء بعد أضرار واسعة، إذ أفادت معطيات بلدية الخليل بنزوح وتضرر أكثر من 3300 مواطن، وهدم 15 منزلاً ومنشأة، وإغلاق 327 متجراً، فضلاً عن خسائر يومية مباشرة قُدرت بنحو 12 مليون شيكل، أي ما يقارب 3.8 ملايين دولار.
وامتدت التداعيات إلى القطاع التعليمي، مع حرمان نحو 80 ألف طالب وطالبة من الوصول إلى مدارسهم خلال فترة العمليات والإغلاق، في مؤشر على اتساع تأثير الإجراءات العسكرية من الأحياء المستهدفة إلى الحياة اليومية في المدينة.


الأمن ذريعة لتوسيع السيطرة؟
بدأت العملية في 23 تشرين الأول الماضي، عقب إطلاق نار نفذه فلسطينيان وأسفر، وفق المعطيات الواردة، عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين. وقتل الجيش الإسرائيلي منفذي الهجوم، ثم هدم منزليهما في الخليل.
لكن الإجراءات التي أعقبت الهجوم لم تقتصر على ملاحقة المنفذين، بل شملت فرض إغلاق على المدينة وقرى محيطة بها، والاستيلاء على منازل فلسطينية في حيي الجلدة وعين دير بحة وتحويلها إلى مواقع عسكرية، مع رفع أعلام إسرائيلية فوق بعضها.
كما رافقت العملية عمليات إخلاء وهدم لمنازل ومنشآت ومحال تجارية، إلى جانب تدمير أجزاء من البنية التحتية. ويطرح هذا النطاق الواسع من التدابير تساؤلات بشأن مدى تناسب الإجراءات مع المبررات الأمنية المعلنة، خصوصاً عندما تتحول الممتلكات المدنية إلى مواقع عسكرية، وتُفرض قيود جماعية على حركة السكان وأعمالهم.


موقع استراتيجي تحت الضغط
لا يمكن فصل ما يجري في الخليل عن موقعها الجغرافي والاقتصادي؛ فهي أكبر المراكز السكانية والتجارية في جنوب الضفة الغربية، وتشكل حلقة وصل بين عشرات البلدات والقرى المحيطة بها. ولذلك، فإن إغلاق مداخلها أو تعطيل الحركة داخلها لا ينعكس على سكان المدينة وحدهم، بل يمتد إلى محيطها الفلسطيني الأوسع.
وتكتسب مناطق مثل فرش الهوى والجلدة ودير بحة أهمية إضافية بسبب موقعها واتصالها بالطرق والمناطق المحيطة. ويشير تحليل التطورات الميدانية إلى أن استمرار القيود على هذه المناطق قد يؤدي إلى تفكيك التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، ويحد من حركة السكان والسلع، ويزيد من عزل الأحياء الواقعة قرب المستوطنات.
وتبعد منطقة فرش الهوى نحو ستة كيلومترات عن مستوطنة أدورا، وتقع على مسار حيوي في محيط المدينة. ويرى التقرير الذي استندت إليه المادة الأصلية أن استهداف المنطقة قد يندرج ضمن مساعٍ لتقييد التواصل الفلسطيني مع القرى المجاورة، وتحويل بعض المواقع إلى مناطق خاضعة لسيطرة عسكرية مشددة. غير أن تحديد الأهداف الإسرائيلية النهائية يبقى استنتاجاً تحليلياً يحتاج إلى قرائن إضافية، ولا يمكن اعتباره إعلاناً رسمياً عن خطة محددة.


تقسيم قديم وواقع يتوسع
تخضع الخليل لترتيبات خاصة منذ توقيع بروتوكول عام 1997، الذي قسم المدينة إلى منطقتين: «إتش 1»، التي تشمل نحو 80% من مساحتها وتخضع للسيطرة الفلسطينية، و«إتش 2»، التي تضم البلدة القديمة ومناطق حساسة دينياً وتجارياً وتخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية.
وفي قلب المنطقة الثانية، أقامت إسرائيل بؤراً استيطانية داخل النسيج العمراني الفلسطيني، من بينها بيت هداسا وبيت رومانو وأبراهام أفينو وتل الرميدة، وأحاطتها بحواجز عسكرية وقيود على الحركة، وفق المعطيات الواردة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وقد أسهمت هذه المنظومة على مدى سنوات في تقييد الحياة اليومية للفلسطينيين، وإضعاف النشاط التجاري في أجزاء من البلدة القديمة، وتعقيد حركة السكان بين الأحياء. ومع تصاعد الإغلاقات بعد السابع من تشرين الأول 2023، ازدادت القيود على المداخل الرئيسية، وحُصرت حركة التنقل عبر منافذ محددة، من بينها فرش الهوى والفحص، وضمن ساعات وإجراءات مشددة.


استنساخ لسياسات سابقة
تستحضر الإجراءات الحالية ما شهدته الخليل عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، حين فُرضت ترتيبات أمنية مشددة، وقُسم المسجد زمانياً ومكانياً، وأُغلقت متاجر وطرق، بينها أجزاء من شارع الشهداء، ما أدى إلى تغييرات عميقة في طبيعة الحياة داخل المركز التاريخي للمدينة.
ولا يعني التشابه بين المرحلتين تطابق الظروف أو الأهداف، لكنه يسلط الضوء على نمط متكرر من الإجراءات التي تُفرض تحت عنوان الأمن، وتترك آثاراً طويلة الأمد على الوجود الفلسطيني والحركة الاقتصادية والعمرانية، خصوصاً في المناطق المحيطة بالبؤر الاستيطانية.


الخليل في قلب الصراع على الأرض
تتجاوز أهمية الخليل حدودها الإدارية، فهي مركز اقتصادي وديمغرافي رئيسي في جنوب الضفة الغربية، كما تمثل حلقة اتصال بين التجمعات الفلسطينية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الإغلاقات والاستيلاء على المنازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية لا يهدد الاستقرار المعيشي للسكان فحسب، بل قد يضعف أيضاً الترابط الجغرافي والاقتصادي بين المدينة ومحيطها.
وتثير هذه التطورات مخاوف من ترسيخ واقع يقوم على عزل مناطق فلسطينية وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية حول البؤر الاستيطانية، بما يحد من فرص قيام كيان فلسطيني متواصل جغرافياً وقابل للحياة.
وبينما تبرر إسرائيل عملياتها باعتبارات أمنية، فإن حجم الأضرار والإخلاءات والقيود المفروضة على السكان يفرض تساؤلات جدية بشأن طبيعة هذه الإجراءات وتداعياتها، ومدى توافقها مع الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين وممتلكاتهم في الأراضي المحتلة. فالانسحاب العسكري قد ينهي مرحلة من العمليات، لكنه لا يعالج آثارها، ولا يبدد المخاوف من تحول التدابير المؤقتة إلى واقع دائم يعيد تشكيل الخريطة السكانية والعمرانية للخليل. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2

اقرأ أيضاً