لا يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خسارة رئاسة الحكومة ضمن السيناريوهات التي تستدعي مغادرته الحياة السياسية، إذ تشير مواقفه الأخيرة إلى عزمه الاحتفاظ بقيادة حزب الليكود حتى في حال فشل في تشكيل ائتلاف حكومي جديد، مستندا إلى تجربة عام 2021 حين انتقل حزبه إلى المعارضة، قبل أن يعود بعد نحو عام ونصف إلى السلطة.
وتتزامن هذه الحسابات مع تحركات منافسه غادي آيزنكوت لتشكيل أغلبية برلمانية تتيح له الوصول إلى رئاسة الحكومة، في ظل عجز معسكر نتنياهو عن حصد العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة بمفرده، ما يضع مستقبل السلطة أمام مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية.
مشاورات حاسمة لتجاوز الانسداد
يتصدر حزب الليكود نتائج الانتخابات بـ27 مقعدا، لكن التحالف الذي يقوده نتنياهو لا يمتلك سوى 53 مقعدا، مقابل 48 مقعدا لتحالف التغيير بقيادة آيزنكوت، في حين حصل تحالف رعام والقائمة المشتركة على 19 مقعدا.
وبعد ظهور هذه النتائج، بات مصير المعسكرين مرتبطا بالمشاورات المقررة يوم الأربعاء مع الرئيس إسحاق هرتسوغ، بهدف تحديد المسار الممكن لتشكيل الحكومة وإنهاء حالة الجمود السياسي.
وفي هذا السياق، تناولت صحيفة «معاريف» الخيارات المطروحة أمام الطرفين، مشيرة إلى أن آيزنكوت يعمل على إيجاد تفاهمات بين أحزاب تتباين مواقفها من التعاون مع الأحزاب الحريدية والعربية، في حين يركز نتنياهو على إبقاء شركائه الحاليين ضمن كتلته البرلمانية، ومحاولة استقطاب أطراف إضافية لتوسيع قاعدة دعمه.
ولا يقتصر المشهد على احتمال انتقال السلطة إلى آيزنكوت، إذ إن تعثر الطرفين في جمع الأغلبية اللازمة قد يقود إلى انتخابات جديدة. وحتى إذا تمكن منافس نتنياهو من تشكيل حكومة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء حضور رئيس الليكود في الحياة السياسية.
تجربة سابقة تعزز خيار البقاء
بحسب «معاريف»، أبلغ نتنياهو مقربين منه خلال محادثات مغلقة أنه يعتزم الاستمرار في رئاسة الليكود حتى إذا أخفق في تشكيل الحكومة، في موقف يعكس تمسكه بموقعه الحزبي بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات الجارية.
وسبق أن صدرت عنه إشارات بهذا الاتجاه عندما أظهرت استطلاعات رأي سابقة تقدم آيزنكوت على الليكود، إذ نقلت الصحيفة عن رسالة وجهها نتنياهو إلى معاونيه قوله: «سنبذل قصارى جهدنا للفوز، ولكن إن لم نفز فلن أعتزل. سأبقى رئيسا للمعارضة، وسنفوز في الانتخابات المقبلة».
وتستند هذه المقاربة إلى ما حدث عقب انتخابات عام 2021، حين لم يتمكن نتنياهو من تشكيل ائتلاف حكومي رغم تصدر حزبه المشهد الانتخابي، ما أتاح لائتلاف التغيير بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد الحصول على ثقة الكنيست بفارق صوت واحد في حزيران/يونيو من العام نفسه.
وعقب أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، أعلن نتنياهو من منصة الكنيست استعداده لقيادة الليكود من مقاعد المعارضة، مؤكدا أنه سيواصل العمل حتى يعود إلى رئاسة الحكومة، ومستخدما عبارة باللغة الإنجليزية مفادها «سنعود قريبا».
وبالفعل، لم تمض سوى نحو سنة ونصف السنة حتى عاد إلى رئاسة الوزراء في كانون الأول/ديسمبر 2022، بعد انهيار الائتلاف الذي خلفه في الحكم، من دون أن يتخلى عن زعامة الليكود خلال فترة وجوده خارج السلطة.
وتنقل «معاريف» عن مصادر مطلعة على سلوك نتنياهو السياسي أن هذه التجربة تشكل عاملا مؤثرا في تقديراته الحالية، ولا سيما في ما يتعلق بإمكانية عودة حزبه إلى الحكم مستقبلا من دون تغيير قيادته.
حسابات داخل الليكود وقطع الطريق على المنافسين
إلى جانب تجربة العودة السابقة، ترتبط رغبة نتنياهو في البقاء على رأس الليكود باعتبارات تتصل بموازين القوى داخل الحزب واحتمالات ظهور منافسين على خلافته، وفق التحليل الذي نشرته الصحيفة.
وتنص اللوائح الداخلية لليكود على إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل انتخابات الكنيست، وليس بالضرورة بعد خسارة الانتخابات العامة. كما أن أي تحرك لمعارضة رئيس الحزب يحتاج إلى تأييد ما لا يقل عن ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.
وبحسب مصادر مطلعة على آليات الحزب نقلت عنها «معاريف»، عمل نتنياهو خلال السنوات الماضية على الدفع بتعديلات وقرارات من شأنها تثبيت موقعه التنظيمي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ويعني ذلك، وفق قراءة الصحيفة، أن خسارة السلطة لا تؤدي تلقائيا إلى إطلاق إجراءات لعزله من رئاسة الليكود أو الدعوة إلى انتخابات تمهيدية لاختيار زعيم جديد.
وتشير الصحيفة أيضا إلى تغير موقع عدد من أعضاء الكنيست والوزراء الذين امتلكوا في مراحل سابقة قواعد نفوذ مستقلة داخل الحزب، وكان يمكن النظر إليهم بوصفهم مراكز قوة محتملة في أي صراع مستقبلي على القيادة.
وبذلك، لا تتعلق حسابات نتنياهو فقط بإمكان الاحتفاظ بالمنصب الحزبي، بل أيضا بمدى قدرة منافسيه المحتملين على تنظيم تحرك داخلي يهدد موقعه، في ظل القواعد الحالية وتوازنات الكتلة البرلمانية.
الأحزاب العربية في صلب مفاوضات آيزنكوت
تبقى قدرة آيزنكوت على جمع الأغلبية العامل الأبرز في تحديد المسار السياسي خلال المرحلة المقبلة، خصوصا أن المفاوضات قد تشمل الأحزاب العربية، وهو خيار قد يفتح الباب أمام خلافات داخل المعسكر الذي يسعى إلى تشكيل الحكومة.
ونقلت «معاريف» عن مصدر في الليكود قوله إن حصول آيزنكوت على التكليف أولا، ثم دخوله في مفاوضات مع حزب رعام والقائمة المشتركة، حتى في حال الاكتفاء بدعم خارجي، ستكون له تبعات سياسية.
وأضاف المصدر أن الأحزاب العربية ستطالب بتحقيق مكاسب لمصلحة ناخبيها مقابل تقديم دعم محتمل لحكومة يقودها آيزنكوت.
وتكشف هذه الحسابات عن مسارين متوازيين في المرحلة المقبلة: مفاوضات تشكيل الحكومة التي ستحدد الجهة القادرة على حشد الأغلبية البرلمانية، وصراع القيادة داخل الليكود الذي قد يتأثر بنتيجة الانتخابات، لكنه لا يبدو مرتبطا بها بصورة تلقائية.
وفيما ينتظر المعسكران نتائج المشاورات مع الرئيس هرتسوغ، يضع نتنياهو احتمال الانتقال إلى المعارضة ضمن حساباته، مع الاحتفاظ بقيادة حزبه، مستندا إلى سابقة انتهت بعودته إلى رئاسة الحكومة بعد فترة قصيرة نسبيا خارج السلطة.