لم تعد تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية مقتصرة على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى أنظمة الإنذار والبنية الرقمية، بعدما أعلنت السلطات الأوكرانية تعرض منظومة التحذير العام لهجوم سيبراني أدى إلى إرسال رسائل كاذبة لسكان العاصمة كييف، حذّرت من هجوم كيميائي وارتفاع مستويات الإشعاع واندلاع مواجهات مسلحة في الشوارع.
وأثارت الرسائل حالة من الارتباك بين السكان، بعدما تمكن مخترقون، وفق الرواية الأوكرانية، من التسلل إلى نظام التحذير من الصواريخ والتهديدات، واستخدامه لنشر معلومات مضللة عن مخاطر أمنية وشيكة.
وبحسب تقرير نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، أعلنت السلطات الأوكرانية، الأحد، وقوع الاختراق، واتهمت روسيا بالوقوف وراءه، في حين تحدثت موسكو بدورها عن تعرض نظام الإنذار لديها لهجوم إلكتروني استُخدم لنشر تحذيرات زائفة من هجمات نووية.
تبادل الاتهامات الإلكترونية
وفي المقابل، أكدت وزارة الطوارئ الروسية أن نظام الإنذار العام يعمل بصورة طبيعية، مشيرة إلى أن تطبيق الطوارئ يمثل قناة إضافية لإبلاغ السكان بالمخاطر المحتملة.
وتكشف الحادثتان، في حال ثبوت تفاصيلهما، عن اتساع نطاق المواجهة بين البلدين ليشمل البنية التحتية الرقمية وأنظمة الاتصال والتحذير المدني، وهي قطاعات تكتسب أهمية خاصة خلال الحروب، نظراً إلى ارتباطها المباشر بسلامة السكان وقدرة السلطات على إدارة الأزمات.
وجاءت التقارير عن الاختراقات السيبرانية قبل وقت قصير من انتهاء وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي بمنطقة خيرسون، والذي أتاح إجلاء مدنيين بوساطة من أطراف دولية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.
الغاز الروسي يعود إلى حسابات واشنطن
وبالتوازي مع التطورات الأمنية، برز ملف الطاقة مجدداً في التحركات الأميركية الرامية إلى إيجاد مسار سياسي لإنهاء الحرب. إذ أفادت تقارير صحافية بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدعم فكرة استئناف بيع الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب التي تمر داخل الأراضي الأوكرانية، في إطار مقترح قد يشكل جزءاً من تفاهم أوسع لوقف إطلاق النار.
ووفقاً للمعلومات المنشورة، طرح مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، الفكرة خلال زيارتين إلى موسكو وكييف في أيلول الماضي. وتقوم الخطة على الاستعانة بوسيط أميركي يتولى شراء الغاز من روسيا وإعادة بيعه إلى الدول الأوروبية، بما يتيح تجاوز بعض العقبات المرتبطة بالعقوبات المفروضة على موسكو.
كما يتضمن المقترح إيداع عائدات المبيعات في حساب ائتماني داخل دولة ثالثة، بهدف الحد من استخدام هذه الأموال في تمويل العمليات العسكرية الروسية.
اعتراضات أوروبية وعقبات سياسية
لكن المقترح يواجه تحفظات داخل عدد من الدول الأوروبية، في ظل استمرار التوجه نحو تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، وتنويع الإمدادات لتجنب استخدام الغاز أداة ضغط سياسي أو اقتصادي.
وتبرز أمام الخطة تحديات تتعلق بآليات تنفيذها، والضمانات المطلوبة بشأن استخدام العائدات، فضلاً عن موقف موسكو وكييف من إعادة تشغيل مسارات نقل الغاز عبر الأراضي الأوكرانية، في وقت لم يتوصل فيه الطرفان إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة.
العقوبات الأميركية بين الضغط والتفاوض
وفي سياق متصل، كان ترامب قد وقّع الشهر الماضي أمراً رئاسياً أجّل بموجبه تطبيق مجموعة من العقوبات على روسيا، كان مقرراً استخدامها للضغط على موسكو بسبب استمرار الحرب. وبرر الرئيس الأميركي الخطوة بأنها تصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة.
ويمنح القانون الأميركي الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على أكبر خمس دول تستورد النفط والغاز الروسيين، ومن بينها الصين والهند. كما يتضمن إجراءات عقابية محتملة تستهدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين كباراً في إدارته ومؤسسات مالية، إضافة إلى ناقلات نفط تستخدمها موسكو للالتفاف على العقوبات القائمة.
ويعكس هذا المسار تداخل أدوات الضغط الاقتصادي مع التحركات الدبلوماسية، إذ تسعى واشنطن إلى إبقاء العقوبات ورقة تفاوضية، بالتزامن مع بحث ترتيبات محتملة لإعادة تدفق الطاقة الروسية إلى الأسواق الأوروبية.
حرب تتسع جبهاتها
تُظهر التطورات الأخيرة أن الحرب الروسية–الأوكرانية باتت تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتشمل الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية المدنية وأسواق الطاقة والعقوبات الاقتصادية. ففي حين تثير الاختراقات المزعومة لأنظمة الإنذار مخاوف من استخدام التكنولوجيا لنشر الذعر والمعلومات المضللة، تفتح مقترحات الغاز الروسي الباب أمام نقاشات معقدة بشأن العلاقة بين التسوية السياسية والمصالح الاقتصادية.
وبين التصعيد الرقمي والتحركات المرتبطة بالطاقة، لا تزال فرص التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل مرتبطة بتفاهمات سياسية وأمنية لم تنضج بعد، فيما يبقى أمن المدنيين واستقرار إمدادات الطاقة من أبرز الملفات التي تتأثر بمسار الحرب ومآلاتها.