خلافات دولية تهدد ترتيبات الأمن في جنوب لبنان بعد اليونيفيل

2026.11.01 - 18:05
Facebook Share
طباعة

يدخل لبنان مرحلة حساسة مع اقتراب موعد بدء انسحاب قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» من الجنوب، في ظل غياب اتفاق دولي واضح بشأن القوة التي ستتولى مهامها أو طبيعة الترتيبات الأمنية البديلة. وبين مساعي باريس وروما لإيجاد صيغة انتقالية، والتحفظات الأميركية والإسرائيلية على استمرار المهمة الدولية أو استحداث قوة جديدة، تتزايد المخاوف من أن يجد لبنان نفسه أمام فراغ أمني في منطقة لا تزال تعيش توتراً ميدانياً مستمراً.

 

لم يعد ملف «اليونيفيل» مجرد استحقاق أممي ينتظر نهاية عام 2026، بل تحول إلى تحدٍ دبلوماسي وأمني تتداخل فيه حسابات لبنان والقوى الدولية والإقليمية. وتسعى الدولة اللبنانية، بدعم فرنسي وإيطالي، إلى تفادي انتهاء المهمة من دون ترتيبات تضمن استمرار الاستقرار ومواكبة الجيش في تنفيذ مهامه جنوباً.

 

وتتحرك بيروت على مسارين متوازيين: محاولة إعادة فتح النقاش بشأن تمديد ولاية القوة الدولية، والبحث في إنشاء قوة بديلة أو بعثة أوروبية تتولى دعم الجيش ومواكبته. وقد شكلت موافقة الحكومة على المقترح الأوروبي المتعلق بتشكيل بعثة لهذا الغرض خطوة باتجاه تحريك الملف، لكنها لا تعني حسم هوية البديل أو طبيعة صلاحياته وآلية انتشاره.

وتستند الأزمة إلى القرار 2790 الصادر عن مجلس الأمن في آب 2025، والذي مدد ولاية «اليونيفيل» حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ عملية سحب القوات تدريجياً خلال عام 2027. وبموجب هذا المسار، فإن أي تمديد جديد يحتاج إلى قرار أممي وتوافق بين القوى المؤثرة في مجلس الأمن، ولا يمكن أن يتحقق بمجرد طلب لبناني أو مبادرة أوروبية.

 

الموقف الأميركي والإسرائيلي يعقّد البدائل

 

تكمن إحدى أبرز العقبات في الموقفين الأميركي والإسرائيلي، اللذين لا يبديان حماسة لاستمرار «اليونيفيل» أو لإنشاء قوة بديلة وفق التصور الأوروبي المطروح. وتنطلق واشنطن وتل أبيب من تقييم يعتبر أن الصيغة السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة في منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله في الجنوب.

 

في المقابل، تحذر باريس وروما من أن إنهاء المهمة الدولية من دون ترتيبات انتقالية واضحة قد يهدد الاستقرار الهش، ويضع الجيش اللبناني أمام مسؤوليات تتجاوز إمكاناته الحالية. ويكشف هذا التباين عن اختلاف جوهري في الرؤية بشأن طبيعة الدور الدولي المطلوب في المرحلة المقبلة، وحدود الصلاحيات التي ينبغي أن تتمتع بها أي بعثة جديدة.

 

فالمسألة لا تتعلق فقط بتسمية القوة التي ستخلف «اليونيفيل»، بل بطبيعة مهمتها. فهناك فارق بين بعثة أوروبية تركز على التدريب والدعم ومواكبة الجيش، وقوة متعددة الجنسيات تمتلك صلاحيات ميدانية أوسع للتعامل مع الخروقات والتطورات الأمنية. الخيار الأول قد يساعد في تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية، لكنه لا يشكل بالضرورة بديلاً عملياً عن الدور الذي تؤديه القوة الدولية حالياً، فيما يتطلب الخيار الثاني تفويضاً دولياً واضحاً وموافقة الدول المشاركة وتوافقاً على قواعد الاشتباك وحدود المهمة.

 

جنوب لبنان أمام اختبار أمني

 

تزداد حساسية الملف في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم استكمال الانسحاب الإسرائيلي، بالتزامن مع مطالبة الجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وتثبيت سلطة الدولة. ولا تزال الظروف الميدانية والسياسية اللازمة للانتقال الآمن إلى مرحلة ما بعد «اليونيفيل» غير مكتملة، ما يثير مخاوف من أن يؤدي انتهاء المهمة قبل الاتفاق على بديل إلى تغيير موازين الواقع الأمني في الجنوب.

وتبرز مفارقة في الموقف الدولي، إذ يطالب لبنان ببسط سلطته على كامل أراضيه وتعزيز دور جيشه، بينما يتجه إلى إنهاء مهمة القوة التي شكلت مظلة دولية لمواكبة المؤسسة العسكرية في الجنوب، من دون الاتفاق حتى الآن على طبيعة الدعم الذي سيحل مكانها.

وتضع هذه المعادلة الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية مضاعفة، إذ لا يكفي التمسك بمطلب التمديد أو التعويل على المبادرات الأوروبية، بل يتعين عليها تحديد تصور موحد لطبيعة القوة المطلوبة، وصلاحياتها، والمهام التي تستطيع تنفيذها، بما يتناسب مع قدرات الجيش واحتياجات المناطق الجنوبية.

 

تحرك لبناني لتفادي الفراغ

 

لا يبدو الرهان على التحرك الفرنسي والإيطالي وحده كافياً لضمان تسوية، كما أن انتظار تغير الموقفين الأميركي والإسرائيلي قد يستنزف الوقت المتبقي قبل انتهاء ولاية «اليونيفيل». ويحتاج لبنان إلى موقف رسمي موحد يضع حماية الاستقرار ومنع الفراغ الأمني في مقدمة الأولويات، بعيداً عن التجاذبات السياسية الداخلية والحسابات الإقليمية.

وتتجاوز أهمية المرحلة المقبلة مسألة اختيار اسم القوة البديلة، لتشمل تحديد دورها الفعلي والضمانات التي يمكن أن توفرها للجيش والسكان، ومدى قدرتها على منع فرض وقائع أمنية جديدة على الحدود. كما يرتبط نجاح أي صيغة انتقالية بمدى التوافق الدولي حولها، وبقدرتها على التعامل مع الانتهاكات والتوترات الميدانية.

 

يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدبلوماسية اللبنانية والأوروبية في التوصل إلى تسوية دولية تضمن استمرار المظلة الأمنية في الجنوب، أم تغادر «اليونيفيل» وفق الجدول الأممي من دون بديل متفق عليه؟ وبين الاحتمالين، يواجه لبنان اختباراً سياسياً وأمنياً يتطلب حسم رؤيته لدور الدولة والجيش، وتوحيد الموقف الرسمي بشأن مستقبل الأمن على الحدود الجنوبية وسائر الأراضي اللبنانية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 2

اقرأ أيضاً