سوريا على طريق مغادرة "القائمة الرمادية".. هل تستعيد ثقة المصارف الدولية؟

2026.11.01 - 15:40
Facebook Share
طباعة

اختبار لاستعادة الثقة
تواجه سوريا اختباراً اقتصادياً ومصرفياً مهماً في مساعيها لإعادة الاندماج في النظام المالي الدولي، مع تكثيف العمل على تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والامتثال للمعايير التي تضعها مجموعة العمل المالي (FATF)، تمهيداً للخروج من قائمتها الرمادية واستعادة ثقة المؤسسات المصرفية الدولية.
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، صفوت رسلان، التزام دمشق ببناء نظام مالي أكثر شفافية ومرونة، مشيراً إلى أن الهدف لا يقتصر على استيفاء متطلبات مغادرة القائمة الرمادية، بل يتجاوز ذلك إلى إنشاء منظومة وطنية مستدامة قادرة على تحديد المخاطر المالية وإدارتها وتطبيق المعايير الدولية.
وجاءت تصريحات رسلانخلال الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي في باريس، السبت، في وقت تعمل فيه السلطات السورية على مراجعة التشريعات والإجراءات الرقابية وتطوير آليات متابعة المعاملات المصرفية، وسط ترقب لبدء التقييم المتبادل لمنظومة البلاد في منتصف عام 2027.


ما هي القائمة الرمادية؟
تُعد مجموعة العمل المالي منظمة حكومية دولية تأسست عام 1989، وتتخذ من باريس مقراً لها، وتضع معايير دولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، إلى جانب تقييم مدى التزام الدول بتطبيقها.
وتدرج المجموعة الدول التي تعاني نواقص استراتيجية في أنظمتها المالية ضمن قائمتها الرمادية، إذا كانت تتعاون معها لمعالجة أوجه القصور وفق خطة عمل محددة، وتخضع في هذه الحالة لمتابعة ورقابة معززتين.
أما القائمة السوداء، فتضم الدول التي ترى المجموعة أنها تعاني قصوراً استراتيجياً خطيراً في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وتضم حالياً إيران وكوريا الشمالية وميانمار، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
ولا يعني الإدراج في القائمة الرمادية حظراً شاملاً على التعاملات المالية، لكنه يدفع المؤسسات المصرفية الدولية إلى تشديد إجراءات التدقيق والتحقق من العملاء والمعاملات المرتبطة بالدولة المدرجة، ما قد يرفع تكاليف التحويلات ويحد من رغبة بعض المصارف في إقامة علاقات مراسلة معها.


إصلاحات تشريعية ورقابية
في إطار الاستعداد للتقييم، أعلن رسلان أن هيئة مكافحة غسل الأموال بدأت، بالتعاون مع البنك الدولي، إعداد التقييم الوطني للمخاطر، كما تعمل مع صندوق النقد الدولي على مراجعة المنظومة التشريعية ذات الصلة، بما يضمن توافقها مع المعايير الدولية ويعزز فاعليتها وقابليتها للتطبيق.
وعلى مستوى القطاع المصرفي، تشمل الإجراءات تطوير قواعد التعرف إلى العملاء والعناية الواجبة، وتحسين جودة البيانات المتعلقة بهوياتهم وأنشطتهم ومصادر أموالهم، إلى جانب تعزيز النهج القائم على تقييم المخاطر.
كما تعمل المصارف على تحديث إجراءات فحص الأسماء والمعاملات، والاستفادة من الأنظمة التقنية المتاحة لرفع دقة عمليات التدقيق، ورصد الأنشطة التي قد تثير شبهات مالية.
وامتدت الإجراءات إلى أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني، التي يجري العمل على دمج متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضمن قواعد تشغيلها، بما يشمل التحقق من هوية العملاء ومراقبة المعاملات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة وفحص قوائم العقوبات.
وتسعى السلطات كذلك إلى توسيع نطاق الالتزامات ليشمل قطاعات الأعمال والمهن غير المالية المحددة، من خلال استكمال إعداد القرارات التنظيمية الخاصة بها، بما يمنع بقاء أنشطة اقتصادية خارج نطاق الرقابة.


تعاون دولي واستراتيجية وطنية
وفي مسار تعزيز التعاون الخارجي، أشار رسلان إلى زيارة وفد رفيع المستوى من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دمشق في تموز الماضي، حيث أجرى حواراً مباشراً مع الجهات السورية بشأن استعدادات البلاد للتقييم المتبادل.
وأكد استمرار مشاركة سوريا في أعمال المجموعة الإقليمية وتقديم تقارير طوعية حول تطورات منظومتها الوطنية، بهدف إطلاع الشركاء الدوليين على الإجراءات المتخذة ومدى التقدم المحقق.
وكانت سوريا قد أطلقت، في تموز 2026، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استراتيجية وطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، تتضمن تحديد الأولويات وربط الأهداف بنتائج قابلة للقياس.
منتصف 2027.. موعد الاختبار
من جهته، قال مدير التعاون الدولي في هيئة مكافحة غسل الأموال، شفيق الدالي، إن سوريا تعمل على تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي والالتزام بالمعايير الدولية، كاشفاً أن التقييم المتبادل لمنظومتها من المقرر أن يبدأ في منتصف العام المقبل، تمهيداً للنظر في إمكانية إزالتها من القائمة الرمادية.
وأشار الدالي إلى أن مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكدت أن سوريا تسير على المسار الصحيح، غير أن اجتياز التقييم يتطلب إثبات فاعلية الإجراءات على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بإقرار القوانين والتعليمات.


بين التشريع والتطبيق
يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، أن الخروج من القائمة الرمادية يمر عبر التقييم المتبادل الذي تجريه مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يقيس مدى امتثال سوريا لتوصيات المجموعة الدولية، مؤكداً أن العملية لا تستند إلى قائمة شروط تُطبق بصورة آلية.
وأوضح أن التقييم يشمل مدى اكتمال الإطار القانوني والمؤسسي، وكفاءة وحدة التحريات المالية في استقبال البلاغات وتحليلها وتبادل المعلومات مع الجهات النظيرة، فضلاً عن جودة الرقابة الوقائية على المصارف والأنشطة غير المالية، وفاعلية الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، ومستوى التعاون الدولي في التحقيقات واسترداد الأموال.
وفي تقديره، فإن الوصول إلى جاهزية أولية للتقييم بحلول منتصف 2027 ممكن من الناحية النظرية، لكن تحقيق الخروج الفعلي من القائمة الرمادية قبل ذلك الموعد يبدو غير مرجح، نظراً إلى أن التقييم يستغرق وقتاً، ثم تُناقش نتائجه في لجان مراجعة الامتثال، وقد يتطلب الأمر منح سوريا مهلاً إضافية لمعالجة أوجه القصور.
وأضاف أن تجارب دول أخرى تشير إلى أن استكمال التقييم لا يعني بالضرورة الخروج الفوري من القائمة، إذ قد تتبع ذلك مرحلة إضافية لتنفيذ إجراءات تصحيحية وإثبات فاعليتها.


إرث العزلة يعرقل التعافي
يتمثل أحد أبرز التحديات، وفق محمد، في أن القطاع المصرفي السوري خرج من سنوات العزلة والعقوبات بعلاقات محدودة مع المصارف المراسلة، فضلاً عن حاجته إلى تطوير قدراته الرقابية وبناء مؤسسات أكثر كفاءة.
وبذلك، لا تقتصر المهمة على تعديل القوانين أو إصدار تعليمات جديدة، بل تتطلب ترسيخ ممارسات رقابية يومية، وتطوير أنظمة جمع المعلومات وتحليلها، وضمان قدرة المؤسسات المعنية على تنفيذ الإجراءات ومتابعتها.
ويرجح الأكاديمي أن يكون المسار الأكثر واقعية هو استكمال التقييم في موعده، ثم الانتقال إلى تنفيذ خطة عمل تصحيحية لمعالجة الثغرات التي قد يكشفها، وهي مرحلة قد تستمر إلى ما بعد منتصف العام المقبل.


ماذا يعني الخروج لسوريا؟
تكتسب مغادرة القائمة الرمادية أهمية تتجاوز البعد التنظيمي، إذ يمكن أن تسهم في خفض تكاليف التعاملات المالية المرتبطة بسوريا، وتحسين فرص المصارف المحلية في إقامة علاقات مراسلة مع مؤسسات دولية.
كما قد يؤدي ذلك تدريجياً إلى تسهيل التحويلات المالية من المغتربين، وتقليل إجراءات التدقيق الإضافية التي تفرضها بعض المصارف على المعاملات المرتبطة بالبلاد، فضلاً عن تحسين بيئة التمويل التجاري والاستثماري.
ومن شأن تحسن الثقة بالمنظومة المالية أن يخفف بعض العقبات القانونية والرقابية أمام مشاركة المؤسسات المالية الدولية في مشاريع إعادة الإعمار، وإن كان ذلك لا يعني تلقائياً تدفق الاستثمارات أو عودة العلاقات المصرفية إلى مستوياتها السابقة، إذ تبقى عوامل أخرى مرتبطة بالمخاطر الاقتصادية والبيئة الاستثمارية والاستقرار التشريعي.


بوابة إلى النظام المالي الدولي
لا تمثل القائمة الرمادية مجرد تصنيف فني، بل تؤثر في نظرة المصارف والمؤسسات المالية الدولية إلى مستوى المخاطر المرتبطة بالتعامل مع الدولة المدرجة فيها. ولذلك، فإن خروج سوريا منها قد يشكل خطوة مهمة نحو تخفيف القيود غير المباشرة على تعاملاتها المالية واستعادة جزء من الثقة الدولية.
لكن التحدي الأساسي يكمن في تحويل الإصلاحات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، وإثبات أن منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تعمل بفاعلية واستقلالية واستمرارية. فالمغادرة الفعلية للقائمة لن تكون نهاية المسار، بل بداية اختبار أوسع لقدرة القطاع المصرفي السوري على ترسيخ الحوكمة والشفافية والاندماج في الاقتصاد العالمي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6

اقرأ أيضاً