إنذار آلي قد يشعل حرباً.. كيف يحوّل الذكاء الاصطناعي الشكوك إلى تهديدات عسكرية؟

2026.11.01 - 10:45
Facebook Share
طباعة

عندما يتحول التحذير إلى خطر
قد لا تبدأ الحروب دائماً بقرار مباشر بشن هجوم، بل ربما تنطلق من اعتقاد أحد الأطراف أن هجوماً وشيكاً بات على الأبواب. وفي ظل التطور المتسارع للتقنيات العسكرية، يبرز الذكاء الاصطناعي عاملاً جديداً قد يؤثر في تقديرات القادة وقراراتهم، خصوصاً عندما تتولى الأنظمة الآلية تحليل التحركات العسكرية وإصدار إنذارات بشأن التهديدات المحتملة.
وتكمن الخطورة في أن النظام قد يرصد تحركاً عسكرياً بصورة صحيحة، لكنه يخطئ في تفسير دلالته أو يبالغ في تقدير خطورته. وإذا تعاملت القيادة مع هذا التقدير باعتباره حقيقة مؤكدة، فقد تتخذ إجراءات احترازية يفسرها الطرف المقابل على أنها استعداد لهجوم، فتبدأ سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي قد تدفع الأزمة نحو مواجهة يصعب احتواؤها.


الإنذار قبل الفهم
لا يعني رصد تحركات غير مألوفة لطائرات أو سفن عسكرية أن النظام نجح في تحديد الغرض منها؛ فقد تكون هذه التحركات جزءاً من مناورة أو إجراء دفاعي أو استعداداً لعملية هجومية. غير أن التمييز بين هذه الاحتمالات يصبح أكثر صعوبة في أوقات التوتر، عندما تكون المعلومات متضاربة والوقت المتاح لاتخاذ القرار محدوداً.
وتناول هذا الخطر بحث بعنوان «الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرار العسكري: عندما يسبق الإنذار الفهم»، نشره معهد «إس راجاراتنام للدراسات الدولية» في سنغافورة، وناقش فيه دينيس فوا، المتخصص في الدراسات الإستراتيجية والأمن، المخاطر الناجمة عن قدرة الأنظمة الآلية على إصدار التحذيرات بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات العسكرية على فهم الموقف والتحقق من أبعاده.
ويوضح فوا أن الإنذار لا يحتاج إلى أن يكون خاطئاً بالكامل حتى يتحول إلى مصدر خطر؛ إذ قد يرصد النظام تحركات جوية أو بحرية غير مألوفة بدقة، بينما يظل استنتاجه بأن هجوماً وشيكاً أمراً غير مؤكد. وفي هذه الحالة، يبدأ الإنذار بالتأثير في سلوك الأطراف قبل التثبت من حقيقة التهديد الذي يفترض أنه يحذر منه.
فإذا رفعت دولة مستوى التأهب العسكري خشية تعرضها لهجوم، فقد يلاحظ الطرف المقابل تحركاتها من دون معرفة أسبابها، ويفسرها باعتبارها استعداداً لعمل هجومي، ما يدفعه إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وقد تنظر الدولة الأولى بدورها إلى تلك الإجراءات باعتبارها مؤشراً إضافياً على وجود نيات عدائية.
وهكذا يمكن أن تتحول التدابير الاحترازية المتبادلة إلى حلقة تصعيد، حتى لو لم يكن أي من الطرفين قد اتخذ قراراً أولياً بشن هجوم.


دروس من التاريخ
لا ترتبط مخاطر الإنذارات العسكرية الملتبسة بالذكاء الاصطناعي وحده؛ فقد شهدت الحرب الباردة حوادث أظهرت مدى خطورة القرارات المبنية على إشارات غير مكتملة.
ففي عام 1983، رفض الضابط السوفياتي ستانيسلاف بيتروف التعامل مع إنذار صادر عن نظام الإنذار المبكر، أشار إلى إطلاق صواريخ أمريكية، باعتباره دليلاً كافياً على وقوع هجوم. وفي عام 1995، أثار إطلاق صاروخ علمي نرويجي مخاوف داخل روسيا من احتمال أن يكون جزءاً من هجوم صاروخي.
ورغم أن الحادثتين لم ترتبطا بالذكاء الاصطناعي، فإنهما تكشفان كيف يمكن لتفسير خاطئ أو متسرع لإشارة غير مكتملة أن يضع صانعي القرار أمام خيارات بالغة الخطورة. فالمشكلة لا تكمن في صدور الإنذار بحد ذاته، بل في كيفية تقييمه والتحقق منه قبل الاستجابة.


توسع عسكري في استخدام التقنية
يتزايد اعتماد المؤسسات العسكرية على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الواردة من أجهزة الاستشعار، واكتشاف الأجسام وتتبعها، ودعم عمليات الإنذار واتخاذ القرار.
وفي عام 2024، أجرت الدول المشاركة في اتفاقية «أوكوس» تجارب ضمن مبادرة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المرنة والمستقلة، بهدف استكشاف إمكانات استخدامها في المجالات العسكرية. كما واصلت الولايات المتحدة تطوير نظام «مافن الذكي»، الذي يدمج بيانات المستشعرات ويساعد على اكتشاف الأهداف وتتبعها ودعم القرارات العملياتية.
لكن سرعة معالجة البيانات لا تعني بالضرورة دقة التقدير النهائي. فالنظام قد يكون قادراً على جمع كميات هائلة من المعلومات وتحليلها خلال وقت قصير، من دون أن يمتلك القدرة الكافية على فهم السياق السياسي والعسكري أو تحديد نيات الطرف الآخر بصورة قاطعة.
وتسلط دراسة نشرتها مجلة «نيتشر ماشين إنتليجنس» عام 2026، بعنوان «إعادة التفكير في التفاعل بين الإنسان والآلة وحوكمة الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري»، الضوء على أهمية الرقابة البشرية طوال دورة حياة النظام، بدءاً من تطويره واختباره، وصولاً إلى تقييم أدائه والتحقق من صلاحيته للاستخدام.
وتشمل الضمانات المقترحة توفير آليات للاعتراض والتحقق، ومقارنة مخرجات الأنظمة بمصادر معلومات مستقلة، وتدريب المستخدمين على التعامل مع الظروف غير المتوقعة والبيانات المحدودة، إلى جانب توثيق الإجراءات والقرارات.
ويعني ذلك أن وجود مسؤول بشري في نهاية سلسلة اتخاذ القرار لا يكفي وحده لضمان الرقابة؛ بل ينبغي أن يمتلك هذا المسؤول القدرة الفعلية على فهم التوصية الآلية واختبارها ورفضها أو تعديلها عند الضرورة.


ضغط السرعة على القرار البشري
تزداد المعضلة تعقيداً عندما يتلقى القادة إنذاراً في لحظة حساسة، بينما تظل المعلومات اللازمة لفهمه ناقصة أو قابلة لأكثر من تفسير. فقد يبدو الانتظار للحصول على معلومات إضافية مخاطرة أمنية، في حين قد يؤدي اتخاذ إجراء فوري إلى تصعيد مبني على تقدير غير دقيق.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية فهم العلاقة بين التوصيات الخوارزمية والحكم البشري، بدلاً من افتراض أن المسؤولين يقبلون مخرجات الأنظمة الآلية بصورة تلقائية أو يرفضونها دائماً.
وتناقش دراسة «حرب الصندوق الأسود: الحكم البشري واتخاذ القرار العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي» هذه العلاقة، مشيرة إلى ضرورة تقييم كيفية تعامل صانعي القرار مع التوصيات الآلية في الظروف المختلفة، ومدى قدرتهم على مراجعتها عندما تكون تكلفة الخطأ مرتفعة.
ويشدد فوا على أن الموافقة البشرية على القرار النهائي لا تعني بالضرورة وجود رقابة حقيقية، إذا لم تتوافر للمسؤول فرصة كافية لمراجعة التقدير والاعتراض عليه.
ولذلك، ينبغي أن يتمكن القادة من التمييز بين ما رصده النظام فعلياً وما استنتجه بشأن نيات الخصم، ومعرفة المعلومات التي يفتقر إليها، والتفسيرات البديلة التي لا تزال محتملة. كما يتطلب الأمر التحقق من وجود مصادر مستقلة تؤكد الإنذار، والاستعانة بتقييم استخباري منفصل لا يكتفي بتكرار استنتاجات النظام.


من الخطأ الأول إلى التصعيد المتبادل
لا يقتصر الخطر على احتمال تحليل الذكاء الاصطناعي للمعلومات العسكرية بصورة غير دقيقة، بل يمتد إلى قدرته على التأثير في تصورات القادة بشأن نيات الخصم ومسارات التصعيد المحتملة، خصوصاً في الأزمات النووية التي قد تكون عواقب الخطأ فيها كارثية.
وفي هذا الإطار، تتناول دراسة بعنوان «الذكاء الاصطناعي التوليدي والاستشراف الاصطناعي عند حافة الهاوية: مستقبل اتخاذ القرار في الأزمات النووية» دور الأنظمة التوليدية في إنتاج تصورات عن السيناريوهات المستقبلية، وكيف يمكن لهذه التصورات أن تؤثر في القرارات المتخذة استعداداً لها.
ويشير مفهوم «الاستشراف الاصطناعي» إلى استخدام الخوارزميات لإنتاج سيناريوهات محتملة بشأن تطورات الأزمات، بما قد يمنح بعض الاحتمالات وزناً أكبر في حسابات صانعي القرار، حتى عندما لا تكون الأدلة كافية لترجيحها.
وتحذر الدراسة من أن تكرار محاكاة سيناريوهات شديدة الخطورة قد يؤدي إلى تضخيم حضورها في التخطيط العسكري، كما قد تدفع الثقة المفرطة بالتقديرات الآلية إلى تفسير التحركات الملتبسة باعتبارها دليلاً على نيات عدائية.
وتبرز خطورة أخرى في ما يعرف بحلقات التغذية الراجعة؛ إذ قد تؤثر السيناريوهات التي ينتجها النظام في قرارات أحد الأطراف، ثم تصبح تلك القرارات نفسها مؤشرات يفسرها الطرف الآخر باعتبارها دليلاً على وجود تهديد. وبذلك، قد يسهم التقدير الأولي في صناعة تطورات تبدو لاحقاً وكأنها تؤكد صحته.
ولتوضيح هذه الآلية، تعرض الدراسة سيناريو افتراضياً لأزمة بين الهند وباكستان عام 2029، تبدأ بعد تفجير في كشمير. وفي هذا التصور، يقدر نظام ذكاء اصطناعي هندي احتمال استعداد باكستان لإرسال إشارة نووية، بينما يفسر نظام باكستاني التحركات الهندية باعتبارها استعداداً لشن ضربة استباقية.
وتؤدي إجراءات رفع الجاهزية العسكرية لدى الطرفين إلى تعزيز شكوك كل منهما تجاه الآخر، إذ تُقرأ التحركات التي قد تكون دفاعية باعتبارها مؤشرات على نيات هجومية. ومع ضيق الوقت وتزايد الاعتماد على التقديرات الآلية، تتراجع فرص التحقق من المعلومات والتواصل الدبلوماسي، بما قد يدفع الأزمة إلى مسار أكثر خطورة.
وتؤكد الدراسة أن هذا السيناريو افتراضي، ولا يمثل وصفاً لحادثة وقعت بالفعل أو دليلاً على أن الذكاء الاصطناعي تسبب في أزمة نووية، وإنما يوضح كيف يمكن للمخرجات الخوارزمية، إذا عوملت باعتبارها حقائق مؤكدة، أن تؤثر في قرارات الأطراف وتزيد احتمالات التصعيد.


من يتحمل المسؤولية؟
إذا أسهم تقدير آلي في دفع قرار عسكري نحو التصعيد، فإن المساءلة لا تتوقف عند تحديد ما إذا كان النظام قد أخطأ، بل تشمل أيضاً الجهات التي صممته واختبرته، والقيادات التي قررت استخدامه، والطريقة التي عُرضت بها مخرجاته على المسؤولين، ومدى توافر آليات لمراجعتها قبل اتخاذ الإجراءات.
وفي تقرير نشر في 17 أيلول/سبتمبر 2026، تناولت مقترحات لخبراء أمنيين أمريكيين وصينيين تهدف إلى وضع ضمانات تحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مستلهمة بعض المبادئ المستخدمة في الضوابط النووية.
وشملت المقترحات وضع خطوط حمراء بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة النووية، والإبقاء على السيطرة البشرية على الهجمات السيبرانية ذات العواقب الخطيرة، إلى جانب إنشاء قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالأنظمة المستقلة.
وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ قد أكدا عام 2024 مبدأ بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية بيد البشر، لا الأنظمة الآلية. غير أن الاتفاق على هذا المبدأ لا يحسم وحده كيفية تطبيقه عملياً، ولا يضمن توافر الوقت والمعلومات اللازمين لمراجعة التقديرات خلال الأزمات.
ويرى فوا أن المؤسسات العسكرية تحتاج إلى وضع إجراءات واضحة للاستجابة للإنذارات قبل وقوع الأزمات، بما يميز بين التحذيرات الداخلية والتدابير الاحترازية القابلة للتراجع، وبين التحركات العسكرية العلنية التي قد تغير حسابات الطرف الآخر وتُفسر باعتبارها تهديداً مباشراً.
كما ينبغي تحديد الجهات التي تملك صلاحية الاعتراض على الاستجابة أو إيقافها، والأدلة الجديدة التي تستوجب إعادة تقييم الموقف، والوقت المناسب لمراجعة القرار في ضوء المعلومات المتاحة.
ويشير فوا إلى أن الانتظار قد يكون خطراً في بعض الأزمات، ما يجعل وضع الضمانات واختبارها مسبقاً ضرورة لا يمكن تأجيلها إلى حين اندلاع المواجهة.


القرار الأخير يجب أن يبقى بشرياً
لا تثبت هذه المخاوف أن الذكاء الاصطناعي تسبب بالفعل في اندلاع حرب بسبب إنذار خاطئ، لكنها تكشف كيف يمكن أن يصبح عاملاً مساهماً في التصعيد، عندما يتحول رصد دقيق لتحرك عسكري إلى استنتاج غير مؤكد بشأن نيات الخصم، ثم يدفع هذا الاستنتاج إلى قرارات متسرعة يفسرها الطرف الآخر باعتبارها تهديداً.
وبالتالي، لا يرتبط الخطر بسرعة الأنظمة أو دقتها التقنية وحدهما، بل بمدى قدرة المؤسسات العسكرية على اختبار تقديراتها ومراجعتها، وإتاحة الوقت الكافي أمام القادة للنظر في البدائل قبل اتخاذ خطوات يصعب التراجع عنها.
فقد لا تبدأ الحرب بقرار تتخذه الآلة، بل بسلسلة من القرارات البشرية التي تتعامل مع إنذار غير محسوم كما لو أنه حقيقة مؤكدة. ومن هنا، تصبح السيطرة البشرية الفعلية، والقدرة على التشكيك والتحقق والتراجع، خطوط دفاع أساسية لمنع تحول التحذير الآلي إلى شرارة مواجهة عسكرية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4

اقرأ أيضاً