عاد ملف الودائع المصرفية في لبنان إلى واجهة النقاشات المالية، مع تحركات جديدة يقودها مصرف لبنان لتحديد حجم الخسائر والسيولة المتاحة، والبحث في قدرة المصارف على إعادة رسملة نفسها واستعادة دورها في تمويل الاقتصاد، وسط ترقب لما قد يتضمنه قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع المرتقب.
وكشف مصرف لبنان، في بيان صدر السبت 31 تشرين الأول، عن عقد سلسلة اجتماعات تشاورية مغلقة في باريس يومي 27 و28 تشرين الأول، بمشاركة عدد من المصارف التي اختارتها جمعية مصارف لبنان، إلى جانب المستشارين الماليين للمصرف المركزي، ومن بينهم مؤسسة «روتشيلد وشركاه».
تناولت الاجتماعات ملف إعادة رسملة المصارف ومعالجة الخسائر المتراكمة، بما يتيح لها استعادة قدرتها على ممارسة نشاطها المصرفي مستقبلاً، إلى جانب استيعاب الخسائر الناجمة عن الاختلالات والمطالبات غير المنتظمة التي سبق لمصرف لبنان تحديدها، على أن تُحسم بصورة نهائية وفق أحكام القانون المرتقب.
أما المحور الثاني، فركز على تقييم مستويات السيولة الحالية والمتوقعة داخل النظام المصرفي، بما يشمل الأصول التي يمتلكها مصرف لبنان والمصارف، والتي يمكن تحويلها إلى أموال نقدية. ويهدف هذا التقييم إلى تحديد الموارد المتاحة فعلياً، ومعرفة حجم الأموال التي يمكن استخدامها في تسديد مستحقات المودعين.
ونفى المصرف المركزي ما تداولته بعض وسائل الإعلام بشأن ضرورة مشاركة أطراف إضافية في تلك الاجتماعات، موضحاً أن طبيعة الملفات المطروحة لم تستدعِ توسيع دائرة المشاركين، باعتبارها قضايا تقع ضمن نطاق اهتمام مصرف لبنان والمصارف.
وأكد أن اللقاءات تندرج ضمن عملية مراجعة وتقييم تهدف إلى تحديد حجم الأموال القابلة للإعادة إلى المودعين، والمهل الزمنية الواقعية اللازمة لذلك، استناداً إلى أسس وصفها بالموثوقة والعقلانية والقابلة للتنفيذ، بعيداً عن تقديم وعود لا تتناسب مع الإمكانات المالية المتاحة.
وشدد مصرف لبنان على أن المصارف تمثل «شريكاً كاملاً» في عملية إعادة الودائع إلى أصحابها، إلى جانب الدولة والمصرف المركزي، معتبراً أن استعادة القطاع المصرفي لدوره تشكل عنصراً أساسياً في أي مسار للتعافي الاقتصادي، خصوصاً من خلال إعادة تنشيط الإقراض وتمويل المؤسسات والأفراد والاستثمارات والأنشطة الإنتاجية.
بالتوازي مع الاجتماعات، أجرى حاكم مصرف لبنان، الذي شارك في جانب منها، لقاءات في باريس مع مسؤولين ماليين ودوليين، شملت حاكم مصرف فرنسا ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية معنيين بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الجماعات المسلحة.
كما شملت تحركاته لقاءات مع عدد من مكاتب المحاماة التي تتولى متابعة دعاوى قضائية في فرنسا ودول أخرى، نيابة عن مصرف لبنان، ضد مسؤولين سابقين في المصرف وأشخاص مرتبطين بهم، على خلفية قضايا تتعلق باختلاس أموال من المصرف المركزي والاحتيال والإثراء غير المشروع.
وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، والذي أدى إلى احتجاز أموال المودعين وتعطيل جانب كبير من العمليات المصرفية، وسط خلافات مستمرة بشأن تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.
ولا يزال تحديد حجم الفجوة المالية والموارد القابلة للاستخدام في إعادة الودائع من أبرز العقبات أمام إقرار معالجة نهائية للأزمة، خصوصاً مع غياب صيغة متفق عليها بشأن آليات السداد والجدول الزمني، فضلاً عن قدرة المصارف على تأمين الرساميل اللازمة لاستعادة نشاطها.
وتكتسب اجتماعات باريس أهميتها من تركيزها على الانتقال من النقاشات العامة بشأن استرداد الودائع إلى تقييم الأصول والسيولة والخسائر بصورة أكثر تحديداً، في محاولة لرسم تصور عملي لقدرة القطاع المصرفي على إعادة الأموال إلى أصحابها. غير أن النتائج النهائية ستظل مرتبطة بما سيتضمنه القانون المرتقب، وبمدى الاتفاق على توزيع الخسائر بين الأطراف المعنية وتحديد مسؤولية كل منها.