أزمة ضهر البيدر تهدد بتوسيع الخلاف داخل الحكومة اللبنانية

2026.10.31 - 10:36
Facebook Share
طباعة

أعادت قضية شحنة المتفجرات التي كُشف عنها في منطقة ضهر البيدر الخلافات السياسية إلى واجهة المشهد اللبناني، بعدما تحولت إلى محور مواجهة داخل الحكومة، على خلفية مقاطعة وزراء «القوات اللبنانية» جلساتها، ومطالبتهم بإحالة الملف إلى المجلس العدلي. وقد طغى هذا التصعيد على ملفات أخرى تشغل الساحة اللبنانية، وفتح نقاشاً جديداً بشأن قدرة الدولة على تنفيذ قرار حصرية السلاح وفرض سلطتها على كامل أراضيها.

 

لم يعد الجدل مقتصراً على الجهة التي تقف وراء الشحنة والغاية من نقلها، بل امتد إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية عن كشف ملابسات القضية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، ومنع وجود أي منظومة أمنية أو عسكرية خارج سلطة الدولة.

 

يقود وزراء «القوات اللبنانية» تحركاً للضغط باتجاه اتخاذ إجراءات قضائية وأمنية حاسمة، بدعم من حزب «الكتائب اللبنانية» وحلفائهما. ويربط هذا الفريق معالجة قضية ضهر البيدر بتنفيذ القرارات الحكومية الصادرة في الخامس والسابع من آب الماضي والثاني من آذار الفائت، والمتصلة بحصرية السلاح وحظر النشاطات الأمنية والعسكرية لـ«حزب الله». ويرى أن الاكتفاء بانتظار نتائج التحقيق، من دون تحديد مسار واضح للمحاسبة، من شأنه أن يكرس سياسة التأجيل ويحول القرارات الحكومية إلى مواقف غير قابلة للتنفيذ.

 

في المقابل، يتمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالقرارات السيادية التي اتخذتها حكومتهما، مع مراعاة التعقيدات السياسية والأمنية الداخلية والتطورات الإقليمية في إدارة تنفيذها. غير أن قضية ضهر البيدر وضعت هذا النهج أمام اختبار جديد، في ظل مطالب بتوضيح ملابسات الشحنة والجهات المرتبطة بها، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى نتائج التحقيقات.

 

وتزداد حساسية الخلاف مع تداول معلومات إعلامية غير مؤكدة عن مساعٍ يقودها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع للدفع نحو إقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في حال عدم تنفيذ قرارات مجلس الوزراء. وتشمل المطالب المطروحة توقيف جميع المعنيين بالقضية، وإحالة الملف إلى المجلس العدلي، واستدعاء المسؤولين السياسيين والأمنيين الذين قد تكشف التحقيقات مسؤوليتهم.

 

وقد يؤدي انتقال الخلاف إلى مسألة قيادة الجيش إلى توسيع نطاق المواجهة السياسية والمؤسساتية، بدلاً من حصرها في المسار القضائي والأمني للقضية. فالمحاسبة تقتضي تحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، بعيداً عن الأحكام السياسية المسبقة أو تحميل المؤسسات مسؤوليات لم تثبتها التحقيقات.

 

ولا يقتصر جوهر النزاع على الجهة التي ستتولى النظر في الملف أو مصير قائد الجيش، بل يتصل بمدى قدرة الدولة على تطبيق قراراتها على جميع الأطراف من دون استثناء. فحصرية السلاح لا يمكن أن تتحول إلى شعار سياسي، بل تتطلب إجراءات عملية تضمن خضوع مختلف القوى لسلطة المؤسسات الرسمية.

 

وعكست مقاطعة وزراء «القوات» جلسات الحكومة والتلويح بالاعتكاف أو الاستقالة حجم التوتر داخل مجلس الوزراء، وسط مخاوف من أن يؤدي غياب الحسم إلى تقديم التسويات السياسية على مقتضيات الأمن والسيادة. كما أعادت القضية طرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها في الملفات الأمنية، بعدما واجهت انتقادات مماثلة في قضية صخرة الروشة.

 

في موازاة التصعيد العلني، تتواصل اتصالات سياسية بعيداً عن الإعلام، عبر وسطاء بين معراب وبعبدا والسراي الحكومي، في محاولة لاحتواء الخلاف. وتشير المعلومات المتداولة عن هذه الاتصالات إلى أن التباين لا يتعلق بالأهداف المعلنة بين «القوات اللبنانية» ورئاستي الجمهورية والحكومة، بقدر ما يرتبط باختلاف المقاربات في قراءة خلفيات شحنة ضهر البيدر وطريقة التعامل مع تداعياتها.

 

وتتمثل نقطة الخلاف الأساسية، وفق المواقف المنقولة عن الحزب، في رفض ما تعتبره «القوات اللبنانية» سياسة تدوير الزوايا، وتمسكها بمعالجة أكثر حزماً للملفات المرتبطة بحصرية السلاح والسيادة، بما يضمن الانتقال من القرارات الحكومية إلى التنفيذ الفعلي.

وضعت قضية ضهر البيدر الحكومة أمام اختبار يتجاوز مصير شحنة المتفجرات، ليطال صدقية قراراتها وقدرتها على فرض سلطة الدولة. فإما أن تنجح في كشف ملابسات القضية ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتثبت أن قرارات حصرية السلاح قابلة للتنفيذ، أو تتسع الفجوة بين خطاب السيادة والواقع السياسي والأمني. وبين ضغوط القوى السياسية والاعتبارات الأمنية والاتصالات الرامية إلى احتواء الأزمة، يبقى التنفيذ الفعلي للقرارات الحكومية المعيار الأساسي لقياس قدرة الدولة على إدارة هذا الملف.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8

اقرأ أيضاً