إسرائيل تخترق التحالف التركي الأذربيجاني وسوريا تواجه تداعيات التقارب

2026.10.31 - 08:40
Facebook Share
طباعة

تتزايد مؤشرات التباين بين تركيا وأذربيجان بشأن العلاقة مع إسرائيل، في وقت تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية للطرفين داخل سوريا، لتكشف التطورات الأخيرة عن تعقيدات تتجاوز الخلافات الدبلوماسية إلى حسابات النفوذ والطاقة والتعاون العسكري.

برزت هذه التباينات خلال أكتوبر الجاري، بعدما استقبل الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو، في لقاء أثار استياء أنقرة. وغادر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قاعة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا «سيكا» أثناء إلقاء هرتسوغ كلمته، في خطوة عكست حجم الاعتراض التركي على التقارب الأذربيجاني مع تل أبيب.

 

تزامنت التطورات مع غياب علييف عن القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية التي استضافتها أنقرة في 30 أكتوبر، رغم تلقيه دعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، إذ أوفد وزير خارجيته جيهون بيراموف لتمثيل بلاده. وأثارت الخطوة تساؤلات بشأن انعكاس الخلافات على العلاقات بين البلدين، اللذين يرفعان منذ سنوات شعار «أمة واحدة في دولتين».

لم تكن سوريا بعيدة عن أسباب التوتر، إذ استضافت باكو في أبريل 2025 محادثات أمنية تركية إسرائيلية، هدفت إلى منع وقوع مواجهة عسكرية بين الطرفين داخل الأراضي السورية. وجاءت تلك اللقاءات عقب ضربات إسرائيلية استهدفت قواعد سورية زارتها فرق تركية كانت تدرس إمكانية نشر قوات فيها، ضمن اتفاق دفاعي محتمل بين أنقرة ودمشق.

 

وبحسب مصادر نقلت عنها وكالة رويترز، اعتبرت إسرائيل وجود قواعد تركية في تدمر خطاً أحمر، في حين أكد فيدان أن بلاده لا تسعى إلى مواجهة مع إسرائيل داخل سوريا. وتكشف هذه التطورات عن تحول الأراضي السورية إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الطرفين، مع سعي تركيا إلى توسيع حضورها الأمني والعسكري، مقابل محاولات إسرائيل منع أي انتشار تعتبره تهديداً لمصالحها.

يمتد التباين إلى ملف الطاقة، إذ تواصل إسرائيل استيراد النفط الأذربيجاني عبر خط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان، الذي يمر بالأراضي التركية وينقل الخام إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط. ويستمر تدفق النفط رغم إعلان أنقرة وقف تجارتها المباشرة مع إسرائيل في مايو 2024.

 

وأفادت رويترز، في تقرير نشرته في 21 يناير 2026 استناداً إلى بيانات شركة «كبلر»، بأن واردات إسرائيل من النفط الأذربيجاني سجلت أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات. وتقول تركيا إن النفط المنقول عبر أراضيها مملوك لجهات أخرى، وإن استمرار عبوره لا يعني أن أنقرة تصدره مباشرة إلى إسرائيل.

على المستوى العسكري، ترتبط أذربيجان بعلاقات تسليح واسعة مع إسرائيل، تشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والصواريخ والذخائر الجوالة وأنظمة الدفاع الجوي. وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن إسرائيل وفرت 69% من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة بين 2016 و2020، كما استخدمت باكو أسلحة إسرائيلية خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020.

 

في المقابل، تمثل تركيا شريكاً عسكرياً أساسياً لأذربيجان، ما يمنح باكو شبكة علاقات دفاعية متعددة الاتجاهات. كما تنظر السلطات الأذربيجانية إلى التعاون مع إسرائيل باعتباره ورقة لتعزيز قدراتها الأمنية في مواجهة التحديات الإقليمية، خصوصاً ما يتعلق بإيران، التي اتهمت باكو بالسماح لإسرائيل باستخدام أراضيها لأغراض أمنية، بينما نفت أذربيجان تلك الاتهامات.

لم يقتصر الخلاف على الملفات الاستراتيجية، بل امتد إلى الساحة السياسية والإعلامية. ففي 13 أكتوبر، أصدر حزب أذربيجان الجديدة، الذي يقوده علييف، بياناً انتقد فيه مستشار الرئيس التركي أوكتاي سارال وعدداً من نواب حزب العدالة والتنمية، على خلفية تصريحات وانتقادات تناولت علاقات باكو بإسرائيل.

 

بدأ الجدل على خلفية نقاش بشأن قواعد اللباس المدرسي والحجاب، لكنه اتسع لاحقاً ليشمل طبيعة العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية. ودافع الحزب الحاكم في باكو عن حق بلاده في إقامة علاقات مع إسرائيل باعتبارها علاقات طبيعية بين دولتين مستقلتين، مؤكداً في الوقت نفسه دعم أذربيجان لحقوق الفلسطينيين وحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

كما انتقد السياسي التركي فاتح أربكان لقاء علييف بهرتسوغ، معتبراً أن استقبال الرئيس الإسرائيلي يثير تساؤلات بشأن طبيعة التحالفات الإقليمية. وردت باكو بمنعه من دخول أراضيها، في خطوة زادت حدة التوتر بين الجانبين.

لاحقاً، تحرك الادعاء الأذربيجاني في قضايا شملت سبعة أشخاص في تركيا، على خلفية اتهامات تتعلق بنشر خطاب كراهية ديني والتحريض على تغيير النظام الدستوري. كما أعلنت باكو منع 31 مواطناً تركياً، بينهم سياسيون وصحفيون، من دخول البلاد في 21 أكتوبر. وفي خضم الأزمة، غادر سارال منصبه مستشاراً للرئيس التركي، مشيراً إلى حساسية العلاقات بين البلدين.

 

تباينت التفسيرات بشأن غياب علييف عن قمة أنقرة؛ إذ ربطت تحليلات إعلامية أذربيجانية القرار بحملات انتقادات في وسائل الإعلام التركية، بينما اعتبر مراقبون أن الخطوة قد تكون رداً على غياب أردوغان عن مؤتمر «سيكا» في باكو، وإيفاده وزير خارجيته بدلاً منه.

ورغم هذه المؤشرات، لا تبدو العلاقات التركية الأذربيجانية مرشحة لقطيعة استراتيجية، في ظل الروابط السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تجمعهما، خصوصاً اتفاقية شوشا الموقعة عام 2021، ومشروعات نقل الطاقة والغاز، ومنها خطا باكو - تبليسي - جيهان و«تاناب».

كما حرصت التحركات الدبلوماسية الأخيرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، إذ التقى وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف نظيره التركي هاكان فيدان في 29 أكتوبر، بالتزامن مع إرسال علييف تهنئة إلى أردوغان بمناسبة عيد الجمهورية التركية، وصفه فيها بـ«أخي العزيز».

 

تُظهر التطورات أن الخلاف بين أنقرة وباكو يدور حول حدود التحالف ومجالات المصالح، لا حول إنهائه. فتركيا تتمسك بعلاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع أذربيجان، بينما تسعى باكو إلى الاحتفاظ بهامش مستقل في علاقاتها مع إسرائيل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشراكاتها الأمنية والاقتصادية. وفي ظل هذا التوازن، تظل سوريا إحدى أبرز ساحات اختبار المصالح المتعارضة بين أنقرة وتل أبيب، داخل تحالف لا تزال أذربيجان حريصة على الحفاظ عليه.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 4

اقرأ أيضاً