حمص تواجه جدلاً حول مصير أحد أبرز قصورها التاريخية

2026.10.30 - 14:43
Facebook Share
طباعة

عاد قصر الزهراوي الأثري في مدينة حمص إلى واجهة الجدل بشأن مصير المباني التاريخية في سورية، بعد طرحه للاستثمار ضمن مشروع أثار اعتراضات عائلة الزهراوي ومخاوف المهتمين بحماية التراث، على خلفية الحديث عن تحويله من متحف إلى منشأة سياحية تضم فندقاً ومطعماً.

 

وتتداخل في القضية ملفات قانونية وتاريخية وفنية، تبدأ من مرسوم استملاك القصر للمنفعة العامة عام 1977، مروراً بالعقد الاستثماري الموقع عام 2026، وصولاً إلى أعمال الترميم والحفر التي شهدها المبنى، والاعتراضات على طبيعة استخدامه مستقبلاً. وبينما تؤكد وزارة الثقافة أن القصر سيعود لاحتضان الأنشطة الثقافية والتراثية، تتمسك العائلة بإبقائه متحفاً مفتوحاً أمام الجمهور، وتطالب بتوضيح الأساس القانوني لمنح المستثمر حق الانتفاع به.

 

وتعود جذور الخلاف إلى استملاك الدولة السورية العقارين ذوي الرقمين 265 و296 من المنطقة العقارية الرابعة في حمص، بموجب المرسوم الجمهوري رقم 2827 الصادر في 10 كانون الثاني/يناير 1977، بهدف حماية قصر الزهراوي والمحافظة عليه بوصفه نموذجاً للبيت العربي الأصيل ومعلماً معمارياً ذا قيمة تاريخية.

 

غير أن توقيع عقد استثماري في 9 نيسان/أبريل 2026 مع شركة «الطائر التجارية» لترميم القصر ودار مفيد الأمين الأثرية وتأهيلهما واستثمارهما، فتح باب التساؤلات بشأن مدى توافق المشروع مع الغاية التي استُملك العقار من أجلها، خصوصاً أن مدة الاستثمار تبلغ 15 عاماً، فيما تصل قيمة العقد إلى 6.3 مليارات ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل نحو 450 ألف دولار وفق المعلومات الواردة في الوثائق.

 

ودخلت القضية مرحلة جديدة عقب زيارة وزير الثقافة محمد الصالح إلى القصر يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، للاطلاع على أعمال الترميم والتأهيل. وأكد الوزير أن المبنى سيعود إلى احتضان الفعاليات الثقافية والتراثية بعد استكمال الأعمال، ولن يُخصص لأي نشاط استثماري آخر.

وأوضح الصالح أن الوزارة رفضت عروضاً سابقة تضمنت استثمار القصر من دون ترميمه، وأن الاتفاق الحالي ينص على تنفيذ أعمال التأهيل على نفقة المستثمر، مع الحفاظ على العناصر المعمارية الأصلية وعدم المساس بها.

وأشار إلى أن أعمال الترميم تخضع لإشراف يومي من فريق متخصص تابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف، وأن نسبة الإنجاز وصلت إلى نحو 80%، متوقعاً أن يصبح القصر جاهزاً لاستضافة الفعاليات الثقافية خلال ثلاثة أشهر.

 

وبحسب توضيحات الوزير، سيستضيف المبنى أنشطة تنظمها وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف ومحافظة حمص والمجتمع المحلي، إلى جانب فعاليات ثقافية ينظمها المستثمر وفق الاتفاق المبرم. كما أشار إلى أن المستثمر تبرع بمبلغ ستة مليارات ليرة سورية قديمة لترميم القصر، مؤكداً أن المشروع خضع للدراسة والمراجعة من الجهات المعنية.

 

من جهته، قال رئيس دائرة الآثار والمتاحف في حمص حسام حاميش، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية «سانا»، إن الأعمال الجارية تقتصر على تأهيل المبنى والمحافظة على مكوناته المعمارية، ولا تتضمن هدم الجدران أو إعادة بنائها.

وأوضح أن التدخلات شملت إصلاح أعطال شبكتي المياه والصرف الصحي، ومعالجة التسربات التي أثرت في الأرضيات، وإزالة تعديات سابقة، إضافة إلى معالجة الرطوبة وبعض التداخلات الخشبية والألوان التي أثرت في مظهر القصر.

 

لكن هذه التوضيحات لم تنه اعتراضات العائلة، خصوصاً بشأن طبيعة العلاقة القانونية بين المستثمر والمبنى الأثري، وحدود الانتفاع به، وما إذا كان الاتفاق يمنح حقوقاً تتجاوز أعمال الترميم والصيانة.

وكان الوزير قد تحدث في مقابلة مع قناة «الإخبارية السورية» في 14 تشرين الأول/أكتوبر عن تبرع المستثمر بتكاليف الترميم، مقابل ما وصفه بـ«استعارة المبنى». وأثار استخدام هذا المصطلح تساؤلات لدى أفراد من عائلة الزهراوي بشأن المقصود به قانونياً، ومدى اختلافه عن الاستثمار التجاري المنصوص عليه في العقد.

 

كما اعترض أفراد من العائلة على وصف القصر بأنه كان متهالكاً قبل بدء الأعمال، مؤكدين أنه كان في حالة جيدة قبل طرحه للاستثمار، وأنه استضاف فعاليات ثقافية ومجتمعية خلال السنوات الماضية. ويرون أن استمرار استخدامه في الأنشطة العامة يطرح تساؤلات بشأن حجم التدخلات التي استدعت تنفيذ أعمال الترميم والتأهيل.

 

وتطالب العائلة بنشر وثائق المشروع كاملة، وتوضيح طبيعة الاتفاق مع الشركة المستثمرة، والحقوق التي يمنحها لها طوال مدة العقد، فضلاً عن الكشف عن الشروط المالية والفنية التي استند إليها اختيار المستثمر.

ولم تقتصر تحركات العائلة على الاعتراضات العلنية، إذ رفعت ملف القصر إلى لجنة التراث والثقافة في مجلس الشعب للمطالبة بإدراجه على جدول أعمالها ومناقشة القضية. كما لجأت إلى القضاء المختص وأقامت دعاوى لمتابعة الملف أمام المحاكم.

 

وأكد أفراد العائلة أن تحركاتهم تتم ضمن مؤسسات الدولة والقانون السوري، وأن هدفهم يتمثل في حماية حقوقهم والحفاظ على التراث، بعيداً عن أي توظيف للقضية خارج إطارها القانوني.

وفي بيان نشرته عبر حسابها الرسمي في حمص، أعلنت عائلة الزهراوي رفضها تحويل القصر إلى مشروع تجاري، مطالبة بالحفاظ على وظيفته الثقافية والتاريخية وإبقائه مفتوحاً أمام الجمهور. واستندت في موقفها إلى أن العقار استُملك لتحقيق المنفعة العامة، وأن تغيير استخدامه يستوجب توضيحاً قانونياً من الجهات المعنية.

 

وأشارت العائلة إلى أنها رممت المصلى الملاصق للقصر، المعروف بمسجد الشيخ موسى الزهراوي، عام 2023 على نفقتها الخاصة، وتحت إشراف الجهات الأثرية المختصة، معتبرة أن ذلك يعكس اهتمامها بالحفاظ على الإرث التاريخي المرتبط بالمبنى ومحيطه.

وقال دري الزهراوي، أحد أفراد العائلة والورثة الذين تربطهم صلة مباشرة بالقصر، لموقع تلفزيون سوريا، إن مطلب العائلة يتمثل في ترميم المبنى والمحافظة عليه وإبقائه مفتوحاً أمام أهالي حمص وزوارها، بعيداً عن الاستثمار التجاري، سواء بتحويله إلى فندق أو قصر ضيافة أو منشأة تتطلب تغييرات في بنيته وتجهيزاته.

 

وتتصل أبرز الاعتراضات أيضاً بأعمال الحفر والتجهيز التي شهدها القصر، بعدما تداولت صور ومعلومات عن تدخلات داخل المبنى أثارت مخاوف بشأن سلامة عناصره المعمارية، ولا سيما تمديدات المياه والصرف الصحي والتجهيزات المرتبطة بإمكانية استخدامه منشأة فندقية.

وفي السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن معاون المدير العام للآثار والمتاحف أيمن نابو توجيه الجهات المختصة لإيقاف أعمال الترميم وإجراء كشف ميداني للتحقق من مدى مطابقة الأعمال المنفذة للشروط الفنية المعتمدة.

 

وكشف نابو، في تصريحات لتلفزيون سوريا، عن وجود تحفظات قانونية على عقد الاستثمار، مشيراً إلى إعادته إلى وزارة الثقافة للمراجعة، ومقراً بوجود أخطاء وتجاوزات قانونية في الملف.

وأعادت هذه التصريحات طرح تساؤلات بشأن طبيعة المخالفات التي رُصدت، والإجراءات المتخذة لمعالجتها، ومدى تأثيرها على استمرار العقد. كما برزت تساؤلات حول ما إذا كانت أعمال الحفر قد استمرت بعد صدور توجيه الإيقاف، إلا أن المعلومات المتاحة لم تتضمن إفادة ميدانية مستقلة تؤكد تنفيذ أعمال جديدة بعد القرار.

 

وفي المقابل، أصدرت المديرية العامة للآثار والمتاحف في 11 تشرين الأول/أكتوبر بياناً عرضت فيه نتائج الكشف الفني والأثري الذي أجرته فرقها المختصة داخل القصر، مؤكدة أن الأعمال المنفذة تندرج عموماً ضمن الصيانة وإعادة التأهيل وتحسين الخدمات الأساسية، وأن الكشف لم يسجل تغييرات جوهرية في التخطيط أو النسيج المعماري التاريخي للمبنى.

وأضافت أن التدخلات شملت إزالة إضافات حديثة غير ملائمة ومعالجة مظاهر التدهور، مع الحفاظ على المكونات المعمارية الأساسية.

وفي ما يتعلق بالمدفن الموجود في أقبية القصر، أوضحت المديرية أنه مكتشف وموثق منذ عام 1991، وأن العظام الموجودة فيه تعود إلى الفترة البيزنطية، وهي بقايا أعمال تنقيب سابقة، وليست اكتشافاً أثرياً جديداً مرتبطاً بأعمال الترميم الحالية.

 

كما أكدت أن تمويل الترميم جاء على شكل تبرع من الجهة المستثمرة، من دون تحميل خزينة الدولة أعباء مالية. إلا أن البيان لم يحسم مصير العقد، ولم يوضح ما إذا كان المشروع الاستثماري بصيغته الأولى سيستمر، أو ما إذا كانت هناك مراجعة لاستخدام القصر بعد انتهاء الإجراءات القانونية والفنية.

ويستند ورثة عائلة الزهراوي في اعتراضهم إلى المرسوم الجمهوري رقم 2827 لعام 1977، الذي حدد المنفعة العامة غايةً لاستملالك العقارين، بهدف المحافظة على المبنى المعروف بقصر الزهراوي.

وتوضح مذكرة الأسباب الموجبة للمرسوم أن الاستملاك جاء لحماية القصر باعتباره نموذجاً للبيت العربي الأصيل، في وقت كانت فيه البيوت التراثية تتراجع نتيجة الهدم والتوسع العمراني الحديث. كما ربطت المذكرة القرار بخطة المديرية العامة للآثار والمتاحف للمحافظة على المبنى وقيمته التاريخية والمعمارية.

ويرى الورثة أن الغاية المحددة في المرسوم تثير تساؤلات بشأن مشروعية تحويل القصر لاحقاً إلى مشروع تجاري خاص، من دون توضيح السند القانوني الذي يسمح بتغيير وظيفته الأصلية. غير أن حسم هذه المسألة يتطلب مراجعة عقد الاستثمار والتشريعات النافذة ذات الصلة، ولا يمكن الجزم بمشروعيتها أو مخالفتها بالاستناد إلى الغاية الأصلية للاستملاك وحدها.

 

ولا تقتصر القضية على قيمة العقد أو الجهة التي تتولى تمويل الترميم، بل تمتد إلى طبيعة الاستخدام المستقبلي للمبنى، وما قد يتطلبه تحويله إلى فندق ومطعم من تجهيزات خدمية وتعديلات إنشائية. ويخشى المعترضون أن تؤثر هذه المتطلبات في الطابع المعماري للقصر، أو تحد من إمكانية وصول الجمهور إليه بوصفه معلماً ثقافياً عاماً.

وفي المقابل، يرى مختصون أن تمويل ترميم المباني التاريخية يمكن تأمينه من خلال منح ومساعدات تقدمها منظمات دولية معنية بحماية التراث، كما حدث في مشروعات مشابهة، بما يسمح بصيانة المباني من دون تغيير وظيفتها الثقافية.

 

ويُعد قصر الزهراوي من أبرز البيوت التاريخية في مدينة حمص القديمة، وتعود أجزاء واسعة منه إلى العصر المملوكي. ويضم عناصر معمارية تعكس طراز البيوت العربية التقليدية، من قاعات داخلية وباحات وأقواس حجرية، ما يمنحه قيمة معمارية وتراثية تتجاوز حدود استخدامه بوصفه مبنى أثرياً.

وسُجل القصر معلماً أثرياً عام 1967، قبل أن يُستملك عام 1977 ضمن الممتلكات المخصصة لحماية التراث الثقافي. وتعرض المبنى لأضرار خلال سنوات الحرب، وخضع لمراحل من التدعيم والترميم، شملت أعمالاً إسعافية خلال عامي 2014 و2015، إلى جانب مشروع لتأهيل قسم منه عام 2020.

 

وبين تأكيدات وزارة الثقافة بشأن إعادة القصر إلى الأنشطة الثقافية، واعتراضات الورثة على صيغة الاستثمار، لا يزال مصير العقد موضع تساؤل. فالقضية لا تتعلق فقط بكيفية ترميم مبنى تاريخي، وإنما أيضاً بحدود الانتفاع بعقار استُملك للمنفعة العامة، والضوابط التي تحكم استخدامه، والجهة المخولة بتحديد مستقبله.

وتبقى الحاجة قائمة إلى نشر العقد الاستثماري كاملاً، وتوضيح الأساس القانوني لمنح حق الانتفاع، والكشف عن نتائج المراجعات التي أُعلن عنها، بما يتيح حسم الخلاف على أساس الوثائق والإجراءات القانونية، ويضمن حماية قصر الزهراوي وقيمته التاريخية وإبقاء دوره الثقافي متاحاً لأهالي حمص وزوارها.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8

اقرأ أيضاً