هل تفرض إسرائيل واقعاً حدودياً جديداً في جنوب لبنان؟

2026.10.30 - 13:15
Facebook Share
طباعة

تتجه الأنظار إلى جنوب لبنان مع اتساع الضغوط العسكرية والسياسية المحيطة بالملف الحدودي، في وقت تتراجع فيه فرص تثبيت تهدئة مستقرة، وتتداخل حسابات إسرائيل مع مسار المفاوضات اللبنانية والتحركات الأميركية تجاه إيران. وبين استمرار العمليات الميدانية وتعثر المساعي الدبلوماسية، يبرز احتمال فرض واقع أمني جديد يطيل أمد الأزمة، حتى من دون إعلان حرب واسعة.

 

وشهدت مناطق عدة عودة القصف المدفعي والتفجيرات والتحركات العسكرية الإسرائيلية، من وادي الحجير والقنطرة والخيام إلى ميفدون وزوطر، بعد هدوء نسبي تزامن مع الانتخابات الإسرائيلية. وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن أهداف المرحلة المقبلة، وما إذا كانت العمليات تستهدف الضغط لتحصيل تنازلات سياسية وأمنية، أم تمهد لتوسيع المواجهة.

 

وتتمحور العقدة الأساسية حول مستقبل المنطقة الحدودية، إذ تربط إسرائيل انسحابها بنزع سلاح حزب الله وإزالة ما تصفه بالتهديدات الأمنية، بينما تطالب بيروت بإنهاء الوجود الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني.

تظهر زوطر الغربية حجم التعقيدات القائمة، فرغم دخول الجيش إليها ضمن الترتيبات التجريبية، لا تزال عودة الأهالي محدودة بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي في زوطر الشرقية والتحركات العسكرية قرب المنازل والطرق. كما أن قرب مواقع الجيش من القوات الإسرائيلية، بالتزامن مع أعمال التجريف وإقامة السواتر الترابية، يحد من قدرة السكان على استعادة حياتهم الطبيعية.

 

ولا تقتصر التداعيات على الوجود العسكري المباشر، إذ يؤدي تدمير المنازل والبنى التحتية إلى تعطيل عودة السكان، ويجعل عدداً من القرى غير مهيأ للسكن. وقد يفضي استمرار هذا الواقع إلى نشوء حزام أمني خالٍ من السكان، تفرض إسرائيل السيطرة عليه بالنار ومن خلال منع إعادة الإعمار، من دون الحاجة إلى احتلال مباشر لكل مناطقه.

 

على المسار الدبلوماسي، لم تسفر محادثات تامبا في 20 و21 تشرين الأول عن اختراق ملموس، وسط خلاف بشأن آليات التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية. فقد طُرحت صيغ للتنسيق العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، في حين تمسك الجانب اللبناني بآلية تحقق ذات طابع دولي.

 

ويتركز الخلاف على الجهة التي ستتولى التأكد من خلو المناطق من السلاح، ومدى ارتباط الانسحاب الإسرائيلي بجدول زمني محدد، بدلاً من تركه رهناً بتقديرات أمنية غير محددة المدة. ويعزز غياب التفاهم احتمال استمرار التفاوض بالتزامن مع العمليات العسكرية، بما يتيح فرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها لاحقاً.

 

إقليمياً، يظل مسار التوتر بين واشنطن وطهران عاملاً مؤثراً في حسابات الجنوب. وتشير معطيات أمنية إلى أن حزب الله يعمل على إعادة بناء جزء من قدراته العسكرية رغم الخسائر التي تكبدها، تحسباً لاحتمال تجدد المواجهة. وقد تستخدم إسرائيل هذه التحركات لتبرير توسيع عملياتها، حتى في غياب هجوم جديد من لبنان.

 

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة مساعيها الدبلوماسية المتعلقة بإيران، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من تشرين الثاني. وقد تدفع الحسابات الانتخابية والاقتصادية الإدارة الأميركية نحو احتواء التصعيد، لكن ذلك لا يشكل ضمانة لوقف العمليات العسكرية أو التوصل إلى تسوية بشأن الحدود اللبنانية.

 

أما في إسرائيل، فقد أظهرت النتائج الأولية للانتخابات حصول معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 للمعارضة و19 للأحزاب العربية، من دون حسم شكل الحكومة المقبلة. ولا يعني استمرار المشاورات السياسية بالضرورة تعليق القرارات العسكرية، كما لا توجد مؤشرات كافية على أن أي تغيير حكومي سيؤدي تلقائياً إلى تعديل السياسة تجاه لبنان.

 

وتتوزع الاحتمالات الميدانية بين استمرار القصف والتجريف والعمليات المحدودة، أو توسيع نطاق التحركات العسكرية في مناطق بعينها، وصولاً إلى مواجهة إقليمية إذا تعثرت الجهود المتعلقة بإيران أو دخل حزب الله في تصعيد مباشر.

غير أن السيناريو الأكثر تعقيداً قد يتمثل في بقاء المفاوضات مفتوحة من دون اتفاق نهائي، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية بوتيرة متقطعة. ومن شأن ذلك تثبيت واقع حدودي يقوم على احتلال أجزاء من الأراضي، وفرض مناطق خاضعة للسيطرة بالنار، وتعطيل عودة السكان وإعادة إعمار القرى المتضررة.

 

وتبقى قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها في المناطق الحدودية مرتبطة بإنهاء الوجود الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، إلى جانب توفير ضمانات دولية تحول دون تحويل الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم. كما يتوقف احتواء التصعيد على مدى استعداد واشنطن لممارسة ضغوط فعلية، ونجاح المساعي الإقليمية في منع اتساع المواجهة مع إيران.

 

وبين احتمال الحرب الواسعة واستمرار الاستنزاف، يواجه الجنوب تحدياً يتجاوز وقف إطلاق النار إلى مصير الأرض والسكان. فحتى إذا تجنّب لبنان مواجهة شاملة، فإن استمرار العمليات وتعطيل الإعمار قد يترك المنطقة أمام أزمة طويلة الأمد، يصبح معها السؤال الأهم هو مدى إمكانية استعادة الحياة في القرى الحدودية، لا مجرد توقف القصف.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10

اقرأ أيضاً