حملة رقمية عابرة للحدود توظّف خطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين، وتضع قطر في قلب اتهامات دعائية تستهدف الرأي العام الأوروبي، خصوصاً في فرنسا. تحقيق أجرته صحيفة «لوموند» الفرنسية كشف شبكة إعلانات واسعة يُشتبه في ارتباطها بجهات إسرائيلية، حصدت مئات ملايين المشاهدات، وسط مؤشرات على توظيفها للتأثير في المناخ السياسي قبيل الانتخابات الأوروبية والفرنسية المقبلة.
وبحسب التحقيق، الذي نشرته الصحيفة الخميس، بلغت مشاهدات الحملة نحو 830 مليوناً خلال ثلاث سنوات، بينها قرابة 120 مليون مشاهدة في فرنسا، فيما يُرجح أن تتجاوز تكلفتها 10 ملايين يورو. ووصف باحثان تتبعا نشاطها بأنها واحدة من أكبر عمليات التأثير والتضليل التي جرى توثيقها حتى الآن.
واستند التحقيق إلى أبحاث مارك أوين جونز، الأستاذ في فرع جامعة نورثويسترن الأميركية بالدوحة، والباحث المستقل سوهان دسوزا، اللذين وثّقا بدايات الحملة في تقرير صدر عام 2024، قبل أن يكشفا عن توسع نشاطها وتحول فرنسا إلى إحدى ساحاتها الرئيسية.
تقوم الرسائل الدعائية على تصوير قطر باعتبارها داعمة للإرهاب ومروّجة للهجرة الجماعية، واتهامها بالسعي إلى «أسلمة أوروبا»، مستندة إلى خطاب اليمين المتطرف ونظرية «الاستبدال الكبير» المؤامراتية، التي تزعم وجود مخطط لإحلال المهاجرين المسلمين محل السكان الأوروبيين.
ومن بين المواد المنشورة مقطع يحاكي لعبة «غراند ثيفت أوتو» تحت اسم «غراند ثيفت قطر»، ويظهر شخصية بزي خليجي تشتري مباني أوروبية لتحويلها إلى مساجد، فيما تعرض مقاطع أخرى مهاجرين في مدن أوروبية تحت عبارة «قطر مسؤولة»، في محاولة لربط الدوحة بالهجرة وتأجيج العداء للمسلمين.
فرنسا في مرمى الحملة
رصد الباحثان تحول فرنسا خلال الأشهر الأخيرة إلى البلد الأكثر استهدافاً بالإعلانات، بعدما تركزت المواد الموجهة إليها عام 2024 خلال الفترة السابقة للانتخابات الأوروبية.
كما لاحظا ارتباطاً بين توقيت نشر الإعلانات والاستحقاقات الانتخابية في عدد من الدول، من بينها ألمانيا، حيث توقفت عمليات شراء الإعلانات بصورة مفاجئة قبيل انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت في سبتمبر/أيلول الماضي.
ويرجح الباحثان أن استمرار بث الرسائل المعادية للمسلمين والهجرة في فرنسا وإيطاليا، اللتين تستعدان لانتخابات عام 2027، قد يستهدف التأثير في توجهات الرأي العام قبل الاقتراع، ولا سيما الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة بعد أقل من ستة أشهر.
مؤشرات رقمية تقود إلى إسرائيل
في محاولة لإخفاء مصادر التمويل، أُدرج اسم إيران باعتبارها الجهة المشترية لبعض الإعلانات على منصة «تيك توك»، غير أن التحقيق كشف مؤشرات تقنية ورقمية تثير الشبهات بشأن ارتباط الحملة بجهات إسرائيلية.
ومن أبرز هذه المؤشرات خلل تقني كشف مؤقتاً عنوان الاتصال الحقيقي لأحد المشاركين في تعديل مقالات على موسوعة «ويكيبيديا»، وأظهر وجوده في إسرائيل. كما احتوت مقاطع فيديو على بيانات تقنية تشير إلى تحريرها وفق التوقيت الإسرائيلي.
وعثر الباحثان أيضاً على اسم مستعار هو «ShukiD» ضمن بيانات بعض المواد الدعائية، وهو اسم معروف في الأوساط السياسية الإسرائيلية، بحسب «لوموند»، ويرتبط بمنتج فيديوهات شارك في حملات سياسية، من بينها حملات لوزير المالية الإسرائيلي السابق موشيه كحلون.
وتشير الصحيفة إلى أن صاحب الاسم يعرض على موقعه أعمالاً لحملات سياسية في دول أفريقية، كما أظهرت سجلات نشاطه الرقمي تعاوناً مع أشخاص شاركوا في مشروع سابق لمقاطعة قطر، كشفت عنه صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، وبدأ عقب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 قبل أن يتوقف بصورة مفاجئة.
ومن بين المشاركين في المشروع ليئور حوريف، أحد مؤسسي وكالة الضغط والتأثير «بيرسبتو»، الذي سبق أن تعاون مع «ShukiD». ولم يستجب المعنيون لأسئلة «لوموند» بشأن صلتهم بالحملة الحالية أو احتمال امتداد المشروع السابق إليها.
رسائل دعائية تخدم مصالح إسرائيل
ترى «لوموند» أن مضمون عدد من الإعلانات يتقاطع مع مصالح إسرائيل الجيوسياسية، إذ تستهدف الحملة قطر وإيران وحزب الله في لبنان، وتتجنب في الوقت نفسه ذكر إسرائيل، رغم المؤشرات التي تربط جهات إسرائيلية بإدارتها.
كما رصد التحقيق مواد تروّج لفيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري السابق، المعروف بدعمه لبنيامين نتنياهو. ونُشرت إعلانات تمدحه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بالتزامن مع إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو، وقبيل دعوة أوربان له لزيارة المجر، في
خطوة تحدّت المذكرة الدولية.
المنصات عاجزة عن وقف النشاط
على الرغم من البلاغات المتكررة، لم تحذف منصات التواصل الاجتماعي سوى بعض الإعلانات والحسابات المرتبطة بالحملة، وفق التحقيق. وتجاوزت مشاهدات بعض المواد التي أزالها «تيك توك» مليون مشاهدة، فيما عاد القائمون على الحملة إلى النشر عبر حسابات جديدة على
«يوتيوب» بعد أقل من 24 ساعة من إغلاق حساباتهم السابقة.
كما غيّر منظمو الحملة أساليب شراء الإعلانات، فبعد الاعتماد على شركة فيتنامية، باتوا يستعينون بأفراد في البرازيل لتنفيذ عمليات شراء إعلانية بعشرات آلاف اليوروهات.
وتكشف هذه الوقائع عن اتساع استخدام الإعلانات الرقمية المنظمة في حملات التضليل السياسي، وقدرتها على تجاوز إجراءات الحذف والرقابة عبر حسابات وواجهات متعددة، بما يتيح استمرار نشر خطاب الكراهية والتأثير في النقاش العام خلال الفترات الانتخابية.