يحتل المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل موقعاً مهماً في المشهد السياسي، بحكم حجمهم الديمغرافي ومشاركتهم في الانتخابات البرلمانية، وسط تباين في مواقف الأحزاب العربية بشأن سبل انتزاع الحقوق المدنية والاجتماعية، والتعامل مع الحكومات الإسرائيلية، وموقع القضية الفلسطينية في العمل السياسي.
يُستخدم مصطلح «عرب إسرائيل» للإشارة إلى الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم بعد قيام إسرائيل عام 1948، وأصبحوا مواطنين فيها. وبلغ عدد السكان العرب في إسرائيل نحو 2.04 مليون نسمة في نهاية عام 2022، أي ما يقارب 21.1 في المئة من إجمالي السكان، وفق بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية.
تتركز التجمعات العربية في مناطق متعددة، أبرزها الجليل والمثلث والنقب، إلى جانب القدس الشرقية، حيث يحمل معظم الفلسطينيين وضع الإقامة الدائمة بدلاً من المواطنة الإسرائيلية. وتتباين أوضاع هذه التجمعات من حيث الخدمات وفرص العمل والسكن والتمثيل المحلي، وهي قضايا تشكل جانباً أساسياً من اهتمامات الأحزاب العربية.
المشاركة السياسية بين التمثيل والاحتجاج
لا يشكل المواطنون العرب كتلة سياسية متجانسة، إذ تتنوع توجهاتهم بين التيارات القومية والإسلامية والشيوعية والمدنية، كما تختلف مواقفهم من المشاركة في المؤسسات الإسرائيلية ومن حدود العمل البرلماني وقدرته على إحداث تغيير ملموس.
يمثل الكنيست، المؤلف من 120 عضواً، إحدى ساحات المشاركة السياسية من خلال التصويت والترشح وتشكيل القوائم الحزبية. وتتأثر نسب المشاركة بعوامل متعددة، من بينها الثقة بالأحزاب، ومدى استجابتها للمطالب المحلية، والجدل بشأن جدوى العمل داخل النظام السياسي الإسرائيلي، فضلاً عن تداعيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتتركز المطالب اليومية للناخبين العرب على مكافحة الجريمة والعنف، وتحسين أوضاع السكن والتعليم، وزيادة الميزانيات المخصصة للبلدات العربية، ومواجهة التمييز. وتتداخل هذه الملفات مع المواقف السياسية المتعلقة بحقوق الفلسطينيين والصراع مع إسرائيل.
القائمة المشتركة.. من الوحدة إلى الانقسام
برزت «القائمة المشتركة» في انتخابات عام 2015، بعدما اتفقت أربعة أحزاب على خوض الانتخابات ضمن تحالف واحد، هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»، والتجمع الوطني الديمقراطي «بلد»، والقائمة العربية للتغيير «تعال»، والقائمة العربية الموحدة «راعم».
جاء التحالف بعد رفع نسبة الحسم الانتخابية إلى 3.25 في المئة، بعدما كانت تبلغ 2 في المئة، الأمر الذي زاد أهمية تجميع الأصوات لضمان دخول الكنيست. وحصلت القائمة المشتركة على 13 مقعداً في انتخابات 2015، ثم ارتفع تمثيلها إلى 15 مقعداً في انتخابات 2020، مسجلة
رقماً قياسياً آنذاك في عدد المقاعد التي حصلت عليها قائمة عربية مشتركة.
لكن التحالف لم يستمر بصيغته الأولى، إذ خاضت القائمة العربية الموحدة «راعم»، بقيادة منصور عباس، انتخابات عام 2021 بصورة مستقلة. وكشف الانقسام عن اختلاف في الاستراتيجيات السياسية، بين نهج يركز على التفاوض مع الأحزاب الإسرائيلية وإمكانية المشاركة في الائتلاف الحكومي لتحقيق مطالب مدنية واجتماعية، وآخر يعطي أولوية للعمل البرلماني المعارض.
وشاركت «راعم» عام 2021 في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، في خطوة غير مسبوقة لحزب عربي مستقل ضمن حكومة إسرائيلية. وأثار هذا الخيار نقاشاً داخل المجتمع العربي بشأن حدود المشاركة في الحكم، والنتائج التي يمكن تحقيقها من خلال التفاوض مع الأحزاب الإسرائيلية.
في المقابل، تمسكت قوى أخرى ضمن القائمة المشتركة بأهمية الحفاظ على خطاب سياسي معارض، مع استمرار النقاش بشأن إمكان التنسيق مع أحزاب يهودية معارضة لحكومة بنيامين نتنياهو، والظروف التي قد تسمح بدعم تشكيل حكومة بديلة.
انتخابات 2026.. أرقام قياسية في التمثيل العربي
أظهرت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست لعام 2026 حصول القائمة المشتركة على 11 مقعداً، فيما نالت القائمة العربية الموحدة «راعم» 8 مقاعد، ليصل مجموع تمثيل القائمتين إلى 19 مقعداً من أصل 120 في البرلمان، وفق الأرقام الواردة في النتائج الأولية.
ويمثل هذا العدد، إذا تأكد في النتائج النهائية، مستوى قياسياً جديداً للتمثيل البرلماني العربي، متجاوزاً الرقم السابق الذي سجلته القائمة المشتركة عام 2020، عندما حصلت على 15 مقعداً. ومع ذلك، تظل هذه الأرقام مرتبطة بالنتائج الأولية، ولا يمكن اعتبارها نهائية قبل إعلان الحصيلة الرسمية.
ولا تقتصر أهمية زيادة المقاعد على حجم التمثيل البرلماني، بل تمتد إلى موقع الأحزاب العربية في حسابات تشكيل الحكومة. فوفق النتائج الأولية الواردة، حصل المعسكر المرتبط ببنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، فيما توزعت المقاعد المتبقية على القائمتين العربيتين. وبذلك، لم يتمكن أي من المعسكرين من بلوغ الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعداً.
هل تصبح الأحزاب العربية صانعة للائتلاف الحكومي؟
يمنح توزيع المقاعد الأحزاب العربية موقعاً تفاوضياً مهماً في المشاورات البرلمانية، إذ يمكن أن تؤثر مواقفها في فرص تشكيل الحكومة أو دعمها من خارج الائتلاف. غير أن امتلاك هذا التأثير الحسابي لا يعني بالضرورة مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، في ظل الخلافات السياسية ومواقف بعض قوى المعارضة الإسرائيلية من التعاون معها.
وتختلف حسابات «راعم» عن حسابات القائمة المشتركة في هذا الملف؛ إذ أبدت الأولى استعداداً للتفاوض بشأن المشاركة في الحكم، بينما تركز الثانية على شروط العمل البرلماني ومواقفها من السياسات الإسرائيلية، ولا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحرب في المنطقة.
وتكشف النتائج الأولية عن اتساع التمثيل البرلماني العربي، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن قدرة الأحزاب على تحويل المقاعد إلى مكاسب ملموسة في ملفات الجريمة والسكن والتعليم والميزانيات والمساواة. وستتحدد طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الأحزاب وفق النتائج النهائية، ومواقف المعسكرات الأخرى، وحدود التفاهمات الممكنة خلال مفاوضات تشكيل الحكومة.