تحوّل في الأولويات
يتجه الاتحاد الأوروبي نحو زيادة طويلة الأمد في الإنفاق الدفاعي، مدفوعاً باستمرار الحرب الروسية ضد أوكرانيا وتصاعد الشكوك بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية مع الولايات المتحدة. ويضع هذا التحول الحكومات الأوروبية أمام معادلة مالية معقدة، تتمثل في تعزيز القدرات العسكرية مع الحفاظ على استقرار المالية العامة والإنفاق الاجتماعي.
وتبرز المخاوف مع اقتراب انتهاء التسهيلات المالية المؤقتة التي تسمح للدول بزيادة مخصصاتها الدفاعية خارج المسارات المالية المتفق عليها، بينما تظل التزامات عقود التسليح قائمة حتى بعد انتهاء فترة الاستثناء، ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الموازنات في السنوات المقبلة.
مرونة مالية للتسلح
في إطار التعامل مع متطلبات الأمن الأوروبي، أتاحت المفوضية الأوروبية للدول الأعضاء الاستفادة من بند الإعفاء الوطني، الذي يسمح بانحراف مؤقت عن المسار المالي المتفق عليه، بهدف توفير مساحة لزيادة الإنفاق الدفاعي.
وتتيح الآلية زيادة الإنفاق العسكري بما يصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، مقارنة بمستوى الإنفاق في سنة مرجعية محددة، وذلك خلال الفترة الممتدة من 2025 إلى 2028. وبحلول أكتوبر 2026، كانت 18 دولة عضواً قد فعّلت هذا الاستثناء، من بينها ألمانيا وبولندا وفنلندا والدنمارك وإسبانيا والبرتغال.
لكن المرونة المالية لا تعني إلغاء الالتزامات أو تأجيل آثارها إلى أجل غير محدد؛ فعقود المشتريات الدفاعية المبرمة خلال فترة الإعفاء تظل قائمة، حتى إذا سُددت قيمتها في سنوات لاحقة. وهذا يعني أن الحكومات قد تواجه أعباء مالية متراكمة بعد انتهاء فترة الاستثناء، عندما تعود إلى العمل ضمن القواعد المالية المعتادة.
الإنفاق يرتفع
لم تبدأ الزيادة في الإنفاق الدفاعي مع تفعيل آلية الإعفاء، بل سبقتها تحولات في الأولويات الأمنية الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا. فقد ارتفع متوسط الإنفاق العسكري في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين من 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى 1.5% عام 2024.
وسُجلت الزيادات الأبرز في دول تقع بالقرب من روسيا أو تنظر إلى تحركاتها باعتبارها تحدياً أمنياً مباشراً. ففي إستونيا، ارتفعت نسبة الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2021 و2024، بينما زادت في بولندا من 1.6% إلى 2.9% خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام تفاوتاً في تقدير المخاطر الأمنية بين الدول الأوروبية، إلى جانب اختلاف قدراتها الاقتصادية وأولوياتها المالية. فالدول الأكثر قلقاً من التهديد الروسي اتجهت إلى رفع مخصصاتها العسكرية بوتيرة أسرع، فيما حافظت دول أخرى على مستويات إنفاق أكثر استقراراً.
تفاوت بين الدول
على الرغم من ارتفاع المتوسط الأوروبي، لم تشهد جميع الدول الأعضاء تحولاً مماثلاً في الإنفاق الدفاعي. فقد ظل الإنفاق مستقراً بوجه عام في سلوفاكيا والبرتغال وإسبانيا بين عامي 2021 و2024، في حين انخفض في اليونان وبلغاريا وإيطاليا.
ويشير هذا التباين إلى أن سياسة تعزيز القدرات العسكرية لا تُطبق بوتيرة موحدة داخل الاتحاد، بل تتأثر بالوضع الأمني لكل دولة وبقدرتها على تمويل الزيادة من دون الإضرار بأولويات أخرى.
كما أن زيادة الإنفاق لا تقتصر على تخصيص أموال إضافية في الموازنات السنوية، بل ترتبط بعقود طويلة الأجل لشراء المعدات والأسلحة وتطوير القدرات العسكرية. وتحوّل هذه العقود جزءاً من الإنفاق الحالي إلى التزامات مالية مستقبلية، ما يجعل تقييم أثر التسلح مرتبطاً بكلفته على مدى سنوات، لا بحجم المخصصات في سنة واحدة فقط.
الطاقة ضمن الحسابات
منذ يونيو 2026، باتت المرونة المالية تتيح أيضاً إدراج بعض التدابير الهادفة إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. وحددت هذه التدابير بنسبة تصل إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، وبنسبة تراكمية تبلغ 0.6% خلال الفترة من 2026 إلى 2028.
ويعكس إدراج هذه التدابير اتساع نطاق التحديات التي تواجهها أوروبا، إذ تتداخل اعتبارات الأمن العسكري مع أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية. ومع ذلك، فإن توسيع المرونة المالية لهذه الأغراض يضيف بدوره أبعاداً جديدة إلى النقاش حول كيفية توزيع الموارد العامة بين الدفاع والطاقة والخدمات الأساسية.
ما بعد 2028
يتمثل التحدي الأبرز في كيفية التعامل مع الالتزامات المالية بعد انتهاء فترة الإعفاء. فالعقود الدفاعية التي تُبرم خلال السنوات الحالية قد تستمر مدفوعاتها إلى ما بعد 2028، ما يضع الحكومات أمام ضرورة الموازنة بين الوفاء بالتعهدات العسكرية والالتزام بالقواعد المالية الأوروبية.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال أن تلجأ بعض الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو البحث عن إيرادات إضافية أو زيادة الاقتراض، بحسب أوضاعها المالية. لكن حجم الأثر على الإنفاق الاجتماعي سيختلف من دولة إلى أخرى، ولا يعني ارتفاع المخصصات العسكرية تلقائياً أن الخدمات العامة ستتعرض للتقليص؛ إذ يعتمد ذلك على القرارات المالية التي ستتخذها الحكومات ومصادر تمويلها.