من القنيطرة إلى ريف دمشق.. ماذا تريد إسرائيل من التوغلات المتواصلة؟

2026.10.29 - 12:40
Facebook Share
طباعة

تحركات تتجاوز الحدود
تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، مع تسجيل توغلات برية واعتقالات وتجريف للأراضي الزراعية وحفر للخنادق وإقامة تحصينات ونقاط عسكرية في مناطق من القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها، وحدود ارتباط تحركاتها باعتبارات أمنية معلنة، وانعكاساتها على سيادة سوريا ومستقبل الترتيبات الحدودية بين الجانبين.
وتأتي هذه التحركات في مرحلة انتقالية تسعى خلالها دمشق إلى تعزيز مؤسسات الدولة وإعادة تثبيت الاستقرار، بينما تؤكد إسرائيل أن وجودها العسكري الإضافي يرتبط بمخاوف أمنية وبمنع نشوء تهديدات بالقرب من حدودها. وفي المقابل، تعتبر السلطات السورية أن التوغلات والإجراءات الميدانية تمثل انتهاكاً لسيادة البلاد واتفاق فك الاشتباك لعام 1974.
ولا تقتصر أهمية المشهد على التحركات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضاً ما يمكن أن تتركه من آثار على السكان المحليين، والأنشطة الزراعية، وفرص التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية تنظم الوضع في الجنوب السوري.


ارتفاع في الانتهاكات المسجلة
وثّق مركز «سجل»، المعني برصد الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا، 280 انتهاكاً خلال سبتمبر/أيلول 2026، مقارنة بـ267 انتهاكاً في أغسطس/آب، بزيادة تقارب 5%. وارتفع العدد الإجمالي الذي سجله المركز منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر/أيلول إلى نحو 2032 انتهاكاً.
وتوزعت الوقائع المسجلة بين توغلات برية وقصف مدفعي وتحركات جوية وإقامة حواجز مؤقتة وعمليات تفتيش واعتقال، إلى جانب أنشطة طالت الأراضي الزراعية ومناطق يستخدمها المزارعون والرعاة. وسجل المركز 113 توغلاً برياً خلال سبتمبر/أيلول، مقابل 109 في الشهر السابق، إضافة إلى 24 حادثة قصف مدفعي، وفق بياناته.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق النشاط العسكري في المنطقة، لكنها تمثل حصيلة الجهة التي أعدت التقرير وفق منهجيتها في الرصد والتوثيق، ولا تعني بالضرورة أن جميع الوقائع المسجلة متطابقة من حيث طبيعتها أو آثارها.


الدفاع الوقائي والمنطقة العازلة
يرى خبراء عسكريون أن التوغلات قد تندرج ضمن توجه إسرائيلي نحو توسيع مفهوم الدفاع الوقائي، عبر إنشاء نطاقات مراقبة وتحركات ميدانية داخل الأراضي السورية، بهدف إبعاد أي تهديد محتمل عن المناطق القريبة من الحدود.
وبحسب هذا التفسير، لا تقتصر الغاية على مراقبة خط التماس، بل تشمل السعي إلى التأثير في طبيعة الانتشار العسكري في المناطق المحاذية للجولان المحتل، ومنع تمركز قوى تعتبرها إسرائيل منافسة أو معادية بالقرب من مواقعها.
ويطرح هذا النهج تساؤلات حول مدى ارتباط الإجراءات الميدانية بمخاوف أمنية محددة، وما إذا كانت تتجاوز الاستجابة المؤقتة لهذه المخاوف إلى محاولة تكريس واقع عسكري طويل الأمد. فاستمرار إقامة التحصينات والنقاط العسكرية وتجريف الأراضي يثير مخاوف من أن تتحول الإجراءات التي توصف بأنها أمنية إلى ترتيبات يصعب تغييرها مستقبلاً.
كما يربط بعض التقديرات العسكرية التحركات الإسرائيلية بمحاولة الحد من حرية دمشق في إعادة بناء قدراتها العسكرية في الجنوب، وبالتأثير في طبيعة الوجود العسكري الإقليمي في المنطقة. وتظل هذه التفسيرات تحليلات للأهداف المحتملة، ولا يمكن اعتبارها دليلاً مستقلاً على النوايا الإسرائيلية ما لم تدعمها وثائق أو تصريحات واضحة.


خطوط فك الاشتباك تحت الضغط
يشكل اتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1974 أحد الأطر الرئيسية التي تنظم الوضع العسكري بين سوريا وإسرائيل في المنطقة. وينص الاتفاق على ترتيبات تتعلق بخطوط الفصل والمنطقة العازلة وانتشار القوات، تحت مراقبة الأمم المتحدة.
وفي أغسطس/آب 2026، أظهر تحليل للصور والخرائط أن القوات الإسرائيلية تجاوزت خط «ألفا»، الذي يفصل الأراضي التي تحتلها إسرائيل عن المنطقة العازلة، وتقدمت باتجاه خط «برافو» الواقع في الجانب السوري من المنطقة. وقدّر التحليل مساحة المنطقة العازلة التي بسطت إسرائيل سيطرتها عليها بنحو 235 كيلومتراً مربعاً، كما أشار إلى توغلات في مئات المواقع داخل محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق.
وتتعارض هذه التحركات، بحسب الموقف السوري والأمم المتحدة، مع ترتيبات فك الاشتباك. فقد أكدت الأمم المتحدة في إحاطات سابقة أن وجود القوات الإسرائيلية وأنشطتها داخل منطقة الفصل وما وراءها يشكلان خرقاً للاتفاق، ودعت إلى احترام الترتيبات القائمة.
وفي المقابل، تتمسك إسرائيل باعتبارات الأمن وحماية سكانها لتبرير وجودها العسكري الإضافي. غير أن استمرار العمليات داخل الأراضي السورية يضع هذه المبررات في مواجهة أسئلة تتعلق بحدود الإجراءات الأمنية المسموح بها، ومدى توافقها مع الاتفاقات الدولية وحقوق السكان المتأثرين بها.


مشروع «سوفا 53» وتغيير الواقع الميداني
يبرز مشروع «سوفا 53» بوصفه أحد أبرز مظاهر التغيير الميداني في ريف القنيطرة. وهو مشروع هندسي عسكري يشمل شق طريق وتدعيمه بسواتر ترابية، إلى جانب إنشاء خنادق ونقاط مراقبة بمحاذاة الجولان المحتل وضمن منطقة فض الاشتباك.
وبحسب المعلومات المنشورة عن المشروع، يبلغ عرض الطريق المخطط له نحو ثمانية أمتار، فيما يصل ارتفاع بعض السواتر الترابية إلى خمسة أمتار. ويمتد مساره عبر مناطق من ريف القنيطرة، من محيط حضر باتجاه قرى وبلدات في الشمال والوسط والجنوب، بينها جباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة.
وبدأ تنفيذ المشروع، وفق المعلومات المتاحة، في عام 2022، قبل أن تتسارع الأعمال بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وتزامن ذلك مع توسيع التحركات البرية وإقامة نقاط عسكرية وأعمال تجريف في مناطق قريبة من خط الفصل.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها ترتبط باعتبارات أمنية، فيما ترى دمشق أن المشروع يمثل خرقاً لترتيبات عام 1974 ومحاولة لفرض واقع ميداني أحادي الجانب. أما من الناحية العملية، فإن إنشاء طرق محصنة وسواتر وخنادق يمكن أن يعزز القدرة على الحركة والمراقبة والتمركز، ويؤثر في إمكانية وصول السكان إلى الأراضي الزراعية والمراعي.
ومن هنا، تتجاوز أهمية المشروع طابعه الهندسي؛ إذ يرتبط بمستقبل انتشار القوات في المنطقة، وبمدى إمكانية إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل التغييرات الأخيرة. كما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المنشآت ستظل مرتبطة بظروف أمنية مؤقتة، أم ستتحول إلى عناصر ثابتة في أي ترتيبات تفاوضية مقبلة.


ضغط ميداني على دمشق
إلى جانب البعد العسكري، يرى باحثون أن استمرار التوغلات قد يشكل وسيلة ضغط على الحكومة السورية، من خلال خلق وقائع ميدانية جديدة تؤثر في خياراتها الأمنية والسياسية.
وتشمل التحركات المسجلة دخول قوات إلى قرى ومناطق زراعية، وإقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش مدنيين، واعتقال أشخاص، إلى جانب تجريف الأراضي واستحداث مواقع عسكرية. وقد وثقت تقارير حقوقية توغلات متكررة وعمليات احتجاز وأضراراً طالت ممتلكات ومرافق مدنية في جنوب سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتثير هذه الوقائع مخاوف بشأن تأثيرها في حياة السكان المحليين، سواء من خلال تقييد الحركة أو صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية أو تنامي الشعور بعدم الاستقرار. كما يمكن لاستمرار العمليات أن يعقد جهود السلطات السورية لإعادة بسط الأمن وترسيخ حضور المؤسسات الرسمية في المناطق الحدودية.
ويرى أصحاب هذا التفسير أن الضغط الميداني قد يهدف أيضاً إلى التأثير في شروط أي تفاهمات مستقبلية، عبر جعل بعض الوقائع العسكرية نقطة انطلاق للمفاوضات. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن هذا هو الهدف الوحيد للتحركات، إذ قد تتداخل الاعتبارات الأمنية والعسكرية والسياسية في تحديد طبيعة العمليات ومدتها ونطاقها.


أبعاد سياسية داخلية وإقليمية
قد تتقاطع التحركات الإسرائيلية في سوريا مع الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، حيث تشكل قضايا الأمن والحدود والقدرة على منع التهديدات عناصر حاضرة في النقاش العام والمنافسة بين التيارات السياسية.
ويرى بعض المحللين أن إظهار الحزم العسكري قد يخدم الخطاب السياسي لبعض المسؤولين، لكن تقدير مدى تأثير هذه العمليات في شعبية الأحزاب أو خيارات الناخبين يتطلب أدلة مستقلة، ولا يكفي تزامنها مع الاستحقاقات السياسية لإثبات وجود دافع انتخابي مباشر.
إقليمياً، تثير التحركات مخاوف من استمرار حالة التوتر في جنوب سوريا، خصوصاً إذا أدت إلى ردود فعل متبادلة أو أضعفت فرص التفاهم بين دمشق وتل أبيب. كما يمكن أن تؤثر في حسابات أطراف أخرى لها مصالح أمنية وسياسية في سوريا، بما يزيد تعقيد أي مسار تفاوضي.
وفي هذا السياق، لا تتوقف نتائج التوغلات على ما تحققه ميدانياً فحسب، بل ترتبط أيضاً بكيفية استجابة الحكومة السورية، ومواقف الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ومدى استعداد الأطراف للعودة إلى ترتيبات واضحة تحدد طبيعة الوجود العسكري في المنطقة.


المفاوضات بين التهدئة والضغوط
أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر/أيلول 2026 أن دمشق عقدت عدة جلسات تفاوض مع إسرائيل، مشيراً إلى أن المحادثات اقتربت في بعض مراحلها من التوصل إلى اتفاق، قبل أن تتراجع تل أبيب عن استكماله، وفق روايته.
وأكد الشرع تمسك الحكومة السورية بالمسار الدبلوماسي لمعالجة الاعتداءات والتوترات، مشدداً على أن حماية أمن السوريين وحقوقهم تأتي في مقدمة الأولويات. وقال إن دمشق تسعى إلى الاستعانة بدول صديقة، بينها الولايات المتحدة، للضغط باتجاه وقف التحركات العسكرية والتوصل إلى تفاهمات.
وتعكس هذه التصريحات وجود مسار دبلوماسي بالتوازي مع التصعيد الميداني، لكنها لا تكشف وحدها عن تفاصيل المفاوضات أو أسباب تعثرها، ولا عن مدى تقارب مواقف الطرفين بشأن الانسحاب وترتيبات الانتشار والضمانات الأمنية.
ويتمثل التحدي الأساسي في التوفيق بين المطالب الأمنية الإسرائيلية ومطلب سوريا احترام سيادتها ووحدة أراضيها، ضمن ترتيبات قابلة للتنفيذ والمراقبة. ومن دون تفاهمات واضحة، قد يستمر الوضع القائم في إنتاج توترات متكررة، بما يحد من فرص الاستقرار في المنطقة الحدودية.


تباين في المقاربات الأمريكية والإسرائيلية
تتسم المقاربة الأمريكية تجاه الملف السوري بتداخل مسارات دعم المرحلة الانتقالية والحفاظ على الاستقرار، مع استمرار العلاقات الأمنية والسياسية مع إسرائيل. وقد أشار مسؤولون أمريكيون في مناسبات مختلفة إلى أهمية بسط سلطة الدولة السورية على أراضيها، فيما دعت تصريحات أمريكية أخرى إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا.
وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أشاد المبعوث الأمريكي توم براك بإدارة الرئيس أحمد الشرع للمرحلة الانتقالية، داعياً إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وفق ما ورد في التصريحات المنشورة.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات بشأن الأدوات التي يمكن لواشنطن استخدامها للتوفيق بين دعم استقرار سوريا ومراعاة اعتبارات الأمن الإسرائيلي. فالتعبير عن القلق أو الدعوة إلى وقف العمليات لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير ميداني ما لم يترافق مع خطوات دبلوماسية أو ضغوط عملية تؤثر في حسابات الأطراف المعنية.
وبالنسبة إلى دمشق، تكتسب المواقف الأمريكية أهمية خاصة في ظل سعيها إلى دعم دولي لمسار الانتقال السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فستظل طبيعة الترتيبات الأمنية والضمانات التي يمكن الحصول عليها محوراً رئيسياً في أي تفاهمات محتملة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 4

اقرأ أيضاً