الليرة السورية تواجه اختباراً صعباً في أسواق إدلب.. التركية تستعيد مكانتها

2026.10.29 - 09:46
Facebook Share
طباعة

خطة لم تكتمل
لم تنجح الإجراءات الحكومية في سوريا الرامية إلى حصر التعاملات المالية بالليرة السورية في إنهاء استخدام الليرة التركية في أسواق شمال غربي البلاد، إذ عادت العملة التركية إلى التداول بعد تراجع مؤقت أعقب صدور القرارات الرسمية، في ظل تفاوت أسعار الصرف ومخاوف السكان من تراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية.
وبينما تسعى الحكومة السورية ومصرف سوريا المركزي إلى تعزيز استخدام الليرة السورية في البيع والشراء والتسعير، تكشف تجارب المواطنين والتجار والصرافين عن عقبات تتجاوز القرارات الإدارية، وتشمل نقص وسائل الدفع الإلكتروني، وصعوبة توفير الفئات النقدية الصغيرة، والاعتياد على العملة التركية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة باستقرار قيمة المدخرات.


إجراءات رسمية
في ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدرت محافظة إدلب تعميماً يلزم المؤسسات العامة والخاصة بالتعامل بالليرة السورية حصراً، بما يشمل المصارف ومحطات الوقود والأفران ووسائل النقل والمنشآت التجارية.
وفي يوليو/تموز 2026، أعاد مصرف سوريا المركزي افتتاح فرعه في إدلب بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في خطوة هدفت إلى تعزيز حضوره في المنطقة ودعم خطة التحول نحو العملة الوطنية.
وأوضح المصرف أن خطته تقوم على استكمال الإجراءات المتعلقة بإنهاء نشاط مؤسسة البريد والاتصالات التركية «PTT» في سوريا، ثم جمع الليرة التركية المتداولة في الأسواق، بالتوازي مع تعزيز استخدام الليرة السورية والتنسيق مع وزارة الاقتصاد بشأن اعتمادها في التسعير.
ورغم بدء تطبيق هذه الإجراءات، لم يتحقق هدف حصر التعاملات بالعملة الوطنية، إذ استمر تداول الليرة التركية، وعادت لتؤدي دوراً رئيسياً في عدد من المعاملات اليومية.


حسابات المعيشة
يقول مواطن من ريف حلب، إنه التزم في البداية الدفع بالليرة السورية خلال تنقلاته اليومية وشراء الخبز، قبل أن يعود إلى استخدام الليرة التركية بعدما لاحظ أن وسائل النقل والأفران باتت تقبلها مجدداً.
ويشير إلى أن تكلفة الرحلة على متن حافلات «الزاجل» بين المحافظتين تبلغ 100 ليرة تركية، تعادل نحو دولارين، مقابل 300 ليرة سورية، تعادل قرابة 2.3 دولار، وفق الأسعار التي ذكرها. ويرى أن هذا الفارق، إلى جانب سهولة التعامل بالعملة التركية، دفعه إلى العودة لحملها.
وتوضح هذه التجربة أن قرارات حصر التداول لا تنفصل عن الحسابات اليومية للمواطنين، الذين يوازنون بين تكلفة المشتريات وسهولة الدفع ومدى قدرتهم على الاحتفاظ بقيمة أجورهم ومدخراتهم.


الثقة وسعر الصرف
لا يقتصر استمرار تداول الليرة التركية على وجود كتلة نقدية منها في الأسواق، بل يرتبط أيضاً بتراجع ثقة بعض السكان بالليرة السورية، نتيجة تقلب سعر صرفها وما يترتب عليه من مخاطر على أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدين والتجار.
ويقول متقاعد من مدينة بنش بريف إدلب إن تراجع قيمة العملة الوطنية يشكل مصدر قلق مستمراً للأسر التي تواجه صعوبة في تغطية تكاليف المعيشة، مشيراً إلى أن الحفاظ على قيمة الرواتب والمدخرات بات تحدياً يومياً.
كما يشير مواطنون إلى أن نقص الفئات النقدية الصغيرة، وصعوبة توفير «الفكة»، وتفاوت الأسعار عند احتسابها بالليرة السورية، عوامل تعقّد المعاملات وتدفعهم إلى استخدام العملة التركية متى كانت متاحة.


تحديات الدفع الإلكتروني
يرى الباحث والخبير الاقتصادي خالد التركاوي أن توسيع التعاملات الإلكترونية يمثل خطوة أساسية لدعم التحول نحو الليرة السورية، مؤكداً أن افتتاح فروع للمصرف المركزي وحده لا يكفي لتحقيق النتائج المرجوة.
ويشير إلى ضرورة توفير التطبيقات والبطاقات المصرفية التي تسمح للمواطنين بإجراء معاملاتهم اليومية بسهولة، بما يقلل الاعتماد على النقد ويحد من العودة إلى استخدام الليرة التركية.
ويقول التركاوي إن السكان لا يمكن تحميلهم وحدهم مسؤولية استمرار التداول بالعملة التركية، في ظل اعتمادهم عليها في معاملاتهم اليومية، فضلاً عن أن بعض العاملين ما زالوا يتقاضون أجورهم من شركات تركية بالليرة التركية.


التجار والصرافون
تواجه الخطة تحديات أيضاً لدى التجار والصرافين، الذين يتعاملون يومياً بمبالغ كبيرة ويحتاجون إلى استقرار نسبي في الأسعار وسعر الصرف لتقليل مخاطر الخسائر.
وقال صراف يعمل في منطقتي حلب وإدلب، طلب عدم الكشف عن هويته، إن العاملين في القطاع تلقوا تعليمات بحصر نشاطهم بالليرة السورية، وإن استجابة أولية ظهرت عقب الإعلان عن الخطة، قبل أن تعود التعاملات إلى نمطها السابق مع استمرار وجود الليرة التركية في السوق.
وأضاف أن الاعتياد على العملة التركية وأنظمة المحاسبة المرتبطة بها، إلى جانب تقلب سعر صرف الليرة السورية، يجعلان التحول الكامل أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض العاملين في التجارة والصرافة.
وفي المقابل، أكد مصرف سوريا المركزي أن عملية إحلال العملة تجري بصورة تدريجية ومنظمة، مع العمل على توفير السيولة اللازمة بالليرة السورية بالتزامن مع جمع الليرة التركية، مشدداً على أن الهدف هو الحفاظ على استقرار الأسواق وحركة التعاملات.
وأشار المصرف إلى أن المخالفات المتعلقة بالقرارات الناظمة ستُتابع بالتنسيق مع الجهات المختصة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.


البعد الحدودي
يضيف التركاوي أن الموقع الجغرافي لشمال غربي سوريا يمثل عاملاً آخر في استمرار تداول الليرة التركية، نظراً إلى قرب المنطقة من تركيا وكثافة الروابط التجارية والاجتماعية بين الجانبين.
وتسهم حركة العمال والتجارة والتنقل اليومي، إلى جانب وجود سوريين يعملون لدى شركات تركية ويتقاضون أجورهم بالليرة التركية، في إبقاء العملة حاضرة في المعاملات المحلية.
ويشير ذلك إلى أن معالجة تعدد العملات تتطلب تنسيقاً يتجاوز الإجراءات النقدية المباشرة، ليشمل تنظيم المدفوعات وتوفير البدائل المصرفية ومراعاة طبيعة النشاط الاقتصادي في المناطق الحدودية.


آثار اقتصادية ومعيشية
يرى التركاوي أن استمرار تداول أكثر من عملة لا يؤدي بالضرورة إلى اضطراب اقتصادي واسع، لكنه قد يزيد تعقيد المعاملات اليومية ويرفع تكاليف التعامل والمحاسبة، خصوصاً عندما تختلف الأسعار وفق العملة المستخدمة.
من جهته، يقول الصراف إن تعدد العملات يربك بعض الزبائن، ويزيد احتمال وقوع أخطاء في تسليم الأموال وإعادتها، ما يجعل عمليات البيع والشراء أقل سهولة، ولا سيما بالنسبة إلى من لا يملكون خبرة بالتعامل مع أكثر من نظام نقدي.
وتبقى هذه الآثار مرتبطة بمدى انتشار العملات المختلفة، والفروق في أسعار الصرف، وقدرة المؤسسات المالية على توفير وسائل دفع واضحة وسهلة الاستخدام. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7

اقرأ أيضاً