قمة دمشق تعيد رسم العلاقة مع بغداد.. شراكة مصالح أم تمهيد لمحور إقليمي؟

2026.10.28 - 22:10
Facebook Share
طباعة

صفحة جديدة
فتحت الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وسط مساعٍ لتجاوز سنوات من الفتور وتداعيات الخلافات السابقة، وإرساء تعاون يستند إلى المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
وتأتي الزيارة في توقيت إقليمي حساس، تتداخل فيه تحديات أمن الحدود وأمن الطاقة والمياه مع اضطرابات طرق التجارة والملاحة، ما يضع التقارب السوري العراقي أمام اختبار يتجاوز المجاملات السياسية إلى مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ.


أولويات بغداد
جاءت الزيارة بعد لقاء تمهيدي جمع الشرع والزيدي في نيويورك، عقب تولي الأخير رئاسة الحكومة العراقية منتصف مايو/أيار الماضي، كما سبقتها اتصالات وزيارات لمسؤولين عراقيين، بينهم وزير الخارجية ورئيس مجلس القضاء الأعلى، في إطار مسار يستهدف تعزيز التنسيق المؤسسي بين البلدين.
ويرى الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية حسين علاوي أن الزيارة تمنح العلاقات الثنائية غطاءً سياسياً وسيادياً، وتتيح الانتقال بها نحو تعاون أكثر استقراراً وتركيزاً على الملفات المستقبلية.
وتتصدر أولويات بغداد، وفق علاوي، قضايا المياه المشتركة، وإعادة إحياء مشروع خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، المتوقف منذ عقود لأسباب سياسية، إلى جانب تعزيز أمن الحدود الممتدة لنحو 600 كيلومتر، والتي شكلت تحدياً أمنياً خلال مراحل سابقة.
ويشمل جدول التعاون المحتمل أيضاً التنسيق الاستخباري ومكافحة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية، والتعاون مع التحالف الدولي، وتفعيل قنوات التعاون القضائي لمعالجة ملفات المحتجزين والمقاتلين الأجانب والسوريين، فضلاً عن تنشيط التبادل التجاري وتعزيز التواصل بين المجتمعين.


الاقتصاد بوابة التقارب
في المقابل، يصف المحلل السياسي مؤيد غزلان قبلاوي الانفتاح بين دمشق وبغداد بأنه فرصة قد توفر متنفساً اقتصادياً وسياسياً للبلدين، في ظل الضغوط التي تواجهها المنطقة.
وبحسب قبلاوي، تضرر الاقتصاد العراقي من تداعيات إغلاق ؤ، مع تراجع قُدّر بنحو 12%، نتيجة انعكاساته على صادرات النفط وحركة التجارة. ويبرز في هذا السياق النشاط الحدودي، مع عبور نحو ثلاثة آلاف شاحنة يومياً، بوصفه مؤشراً إلى أهمية المسارات البرية في دعم حركة السلع بين البلدين.
أما دمشق، فقد ترى في توسيع التعاون مع بغداد فرصة لتنويع علاقاتها الإقليمية وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات السياسية والأمنية، بما في ذلك تداعيات السياسات الأميركية والتوترات المرتبطة بإسرائيل وملفات إقليمية أخرى.
ويستند هذا المسار، وفق قبلاوي، إلى تحسن التنسيق الأمني بين البلدين خلال الفترة الماضية، بعد اتصالات وزيارات لمسؤولين أمنيين عراقيين، مع تقديرات تشير إلى تراجع مخاطر الإرهاب بنسبة تتراوح بين 70 و80%. غير أن هذه النسبة تبقى تقديراً منسوباً إلى المتحدث، ولا تكفي وحدها للحكم على مجمل الوضع الأمني.


شراكة بلا محور؟
في قراءة أكثر تحفظاً، يرى الباحث في مركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي أن الحديث عن نشوء محور إقليمي جديد بين دمشق وبغداد سابق لأوانه، معتبراً أن التعاون القائم يستند أساساً إلى المصالح الأمنية والاقتصادية، ولا يشترط بالضرورة تطابق المواقف السياسية بين الطرفين.
ويشير هذا التقدير إلى أن التقارب قد يتطور بوصفه شراكة براغماتية تركز على ملفات محددة، بدلاً من أن يتحول سريعاً إلى تحالف سياسي واسع، خصوصاً في ظل تشابك علاقات البلدين مع القوى الإقليمية والدولية.
وعلى الرغم من تجاوز القيادتين بعض رواسب الماضي، بما في ذلك مشاركة فصائل عراقية في القتال إلى جانب النظام السوري السابق، لا تزال أمام التقارب عقبات داخلية، أبرزها اعتراض فصائل مسلحة وأطراف قريبة من إيران على الانفتاح على دمشق، فضلاً عن استمرار خطاب إعلامي فصائلي يشكك في شرعية الشرع رئيساً للدولة.
وفي المقابل، قد يساعد اعتماد القنوات الحكومية الرسمية في إدارة الخلافات وتقليل تأثير المواقف المتشددة، شرط أن يقترن ذلك بتفاهمات واضحة وآليات متابعة تضمن استمرار التعاون.


اختبار التنفيذ
أكدت دمشق أن المباحثات بين الشرع والزيدي تناولت تطوير العلاقات في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصاد والأمن والتبادل التجاري، فيما أشارت مصادر من البلدين إلى أن ملفات النفط والتجارة وأمن الحدود كانت ضمن القضايا المطروحة.
وتكشف الزيارة عن تقاطع مصالح يدفع الطرفين إلى تحسين علاقاتهما، لكنها لا تعني بالضرورة تجاوز جميع الخلافات أو نشوء تحالف استراتيجي مكتمل. فنجاح التقارب سيظل مرتبطاً بقدرة دمشق وبغداد على معالجة الملفات العالقة، وتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة في المياه والطاقة والتجارة والأمن.
وبين من يرى في الانفتاح فرصة لإنعاش الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، ومن يحذر من المبالغة في وصفه بأنه محور إقليمي جديد، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً عملياً لمدى قدرة المصالح المشتركة على بناء شراكة مستدامة تتجاوز إرث الماضي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1

اقرأ أيضاً