نتنياهو بلا أكثرية.. هل تصنع الأحزاب العربية التحول السياسي في إسرائيل؟

2026.10.28 - 19:14
Facebook Share
طباعة

أصوات ترسم موازين الحكم
دخلت إسرائيل مرحلة من الغموض السياسي عقب الانتخابات التشريعية، بعدما أظهرت النتائج الأولية تراجع معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، في حين ارتفع تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً، في نتيجة تعزز موقعها بوصفها أحد أبرز العوامل المؤثرة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
ومع حاجة أي ائتلاف إلى 61 مقعداً لضمان الأكثرية في الكنيست المؤلف من 120 عضواً، لم يعد حسم السلطة مرتبطاً بحجم الكتل الرئيسية وحده، بل بقدرتها على بناء تحالفات قابلة للاستمرار، وسط خلافات سياسية عميقة بشأن إشراك الأحزاب العربية في الحكم.


الأكثرية المفقودة
وفق الأرقام الأولية المتداولة مساء الأربعاء، يتقدم حزب الليكود بزعامة نتنياهو بـ26 مقعداً، يليه حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت بـ21 مقعداً. وحصلت القائمة العربية المشتركة على 12 مقعداً، فيما نال حزب «معاً» بقيادة نفتالي بينيت العدد نفسه، بينما توزعت المقاعد المتبقية على أحزاب إسرائيلية أخرى، إلى جانب القائمة العربية الموحدة «رعام».
وتكشف هذه النتائج أن معسكر نتنياهو يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية لبلوغ عتبة الأكثرية، في حين يحتاج معسكر آيزنكوت إلى 13 مقعداً. أما جمع مقاعد معسكر آيزنكوت والأحزاب العربية فيرفع الحصيلة الحسابية إلى 67 مقعداً، وهي أكثرية نظرية لا تعني بالضرورة إمكانية تحويلها إلى ائتلاف حكومي متماسك.
وتكمن العقدة الأساسية في أن التوافق على معارضة نتنياهو لا يعني الاتفاق على برنامج سياسي مشترك، خصوصاً في ظل تحفظات أطراف إسرائيلية على التعاون مع الأحزاب العربية، واختلاف مواقف القوى المعارضة بشأن شكل الحكومة المقبلة.


الأحزاب العربية في موقع حاسم
يمثل وصول الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً تحولاً بارزاً في المشهد البرلماني، إذ يمنحها ثقلاً تفاوضياً يصعب تجاهله في أي مسعى لتشكيل حكومة جديدة. فالأرقام الحالية تجعل دعمها أو موقفها من التحالفات عاملاً مؤثراً في حسابات المعسكرات المتنافسة، وإن لم يكن كافياً بمفرده لضمان انتقال السلطة.
وتبرز أمام هذه الأحزاب خيارات متعددة، من بينها دعم حكومة من خارج الائتلاف من دون المشاركة المباشرة فيها، أو التفاوض على تفاهمات سياسية محددة، أو البقاء خارج أي ترتيب حكومي. ويختلف تأثير كل خيار بحسب استعداد المعسكر المعارض لتقديم ضمانات سياسية، ومدى قدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية.
لكن تحويل المكاسب الانتخابية إلى نفوذ فعلي يبقى مرتبطاً بمواقف الأحزاب الأخرى، لا بعدد المقاعد وحده، في ظل رفض بعض القوى الإسرائيلية إقامة شراكة حكومية مع ممثلي المواطنين العرب.


أصوات لم تُحسم بعد
لا تزال النتائج بحاجة إلى استكمال الإجراءات الانتخابية وإعلان الحصيلة الرسمية النهائية. وتشمل الأصوات المتبقية ما يُعرف بـ«المظاريف المزدوجة»، التي تضم أصوات فئات تصوّت خارج مراكز اقتراعها المعتادة، من بينها العسكريون وعناصر الشرطة والدبلوماسيون والسجناء وفئات أخرى.
ومن شأن هذه الأصوات أن تؤثر في توزيع بعض المقاعد، ولا سيما في ظل تقارب الكتل السياسية. لذلك، تبقى الأرقام المتداولة مؤشراً على اتجاهات المشهد، وليست حكماً نهائياً على شكل الحكومة المقبلة.


اتهامات انتخابية
في موازاة التنافس على تشكيل الحكومة، صعّد حزب الليكود موقفه من النتائج، متهماً الأحزاب العربية بارتكاب مخالفات انتخابية، بينها التزوير والترهيب وشراء الأصوات، وطالب بفتح تحقيق في هذه الادعاءات.
لكن الاتهامات التي يطلقها حزب سياسي لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على وقوع مخالفات، كما أن الاعتراضات المتداولة لا تعني ثبوت التزوير ما لم تدعمها نتائج تحقيقات أو أدلة رسمية. وقد رفض مسؤول في لجنة الانتخابات، وفق ما ورد في تقارير إعلامية، مزاعم التزوير المتداولة.
ويضيف هذا التصعيد بُعداً جديداً إلى الأزمة السياسية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى استكمال الفرز والإجراءات الرسمية، وإلى مدى انعكاس الخلافات الانتخابية على المفاوضات بين الأحزاب.


ثلاثة مسارات محتملة
تواجه إسرائيل عدة احتمالات في المرحلة المقبلة: تشكيل حكومة بقيادة معسكر آيزنكوت تستند إلى دعم عربي، أو إعادة ترتيب التحالفات بما يفضي إلى صيغة ائتلافية مختلفة، أو تعثر المفاوضات بما يفتح الباب أمام أزمة سياسية ممتدة واحتمال العودة إلى الانتخابات.
ويزيد رفض إيتمار بن غفير تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت من تعقيد المشهد، في حين دعا الرئيس إسحاق هرتسوغ القوى السياسية إلى إبداء المرونة والانفتاح لتفادي جولة انتخابية جديدة.
وفي المقابل، لا يزال نتنياهو قادراً على خوض مفاوضات لتوسيع معسكره، رغم عدم بلوغه الأكثرية وفق الأرقام الأولية. ولذلك، فإن تراجع مقاعد معسكره لا يعني سقوطه الفوري أو انتهاء قدرته على إدارة المرحلة الانتقالية.


انعكاسات تتجاوز الداخل
تكتسب نتائج الانتخابات أهمية إقليمية، خصوصاً بالنسبة إلى لبنان، نظراً إلى أن هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة وتركيبة التحالفات ستؤثران في أولوياتها الأمنية والسياسية تجاه الجبهة الشمالية وإيران.
غير أن تراجع فرص نتنياهو في تشكيل أكثرية لا يعني تلقائياً حدوث تغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، كما لا يمكن الجزم بأن المأزق الداخلي سيدفعه إلى التصعيد العسكري. فهذه المسارات تتوقف على القرارات الفعلية للحكومة والقيادة الأمنية وتطورات الأوضاع الإقليمية، لا على الحسابات البرلمانية وحدها.
ومن هنا، تبرز أهمية متابعة التوجهات الحكومية والقرارات الميدانية، إلى جانب تطورات مفاوضات الائتلاف، لتقدير ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تغييرات.


المقاعد لا تكفي وحدها
تظهر النتائج الأولية أن نتنياهو يواجه صعوبة في تأمين الأكثرية، فيما لا يمتلك معسكر آيزنكوت بدوره عدداً كافياً لتشكيل حكومة منفرداً. وفي هذا الفراغ، برزت الأحزاب العربية بوصفها قوة برلمانية ذات وزن مؤثر في حسابات الحكم.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة هذه الأحزاب على تحويل رصيدها الانتخابي إلى نفوذ سياسي ملموس، وفي استعداد خصوم نتنياهو للتفاوض معها وتجاوز الخلافات التي تعرقل بناء ائتلاف مشترك. وبين الأكثرية الحسابية والتوافق السياسي، تبقى مفاوضات تشكيل الحكومة الاختبار الحاسم لمستقبل السلطة في إسرائيل. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 5

اقرأ أيضاً