لماذا انقلب ترمب على زيلينسكي وطالبه بالتنحي؟

2026.10.28 - 09:47
Facebook Share
طباعة

تتأرجح العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بين محاولات التفاهم والاشتباك السياسي، في ظل خلاف متواصل بشأن شروط إنهاء الحرب مع روسيا، ومستقبل الدعم الأميركي لكييف، والضمانات المطلوبة لمنع تجدد القتال.

 


يرى ترمب أن التوصل إلى تسوية سريعة بات أولوية، فيما يتمسك زيلينسكي باتفاق يحفظ سيادة بلاده ولا يفرض عليها تنازلات من طرف واحد. ومع دخول المصالح الاقتصادية وملف الطاقة وحسابات الانتخابات الأميركية على خط الأزمة، اتسعت الفجوة بين الطرفين، وصولاً إلى تصريحات ترمب التي شككت في استمرار زيلينسكي في منصبه ودعته إلى إفساح المجال أمام قيادة أخرى للتفاوض.

 


جذور الخلاف تعود إلى عام 2019

 

 

بدأت التوترات بين الرئيسين قبل اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا بسنوات. ففي عام 2019، طلب ترمب من زيلينسكي التحقيق في قضايا مرتبطة بمنافسه الديمقراطي آنذاك جو بايدن وابنه هانتر، بالتزامن مع حجب مساعدات أمنية أميركية لأوكرانيا بلغت نحو 400 مليون دولار.

 

أثارت القضية اتهامات باستخدام المساعدات العسكرية أداةً للضغط السياسي على كييف، وأصبحت محور أول مساءلة برلمانية لترمب. ورغم اختلاف الظروف السياسية والعسكرية لاحقاً، بقيت الواقعة جزءاً من خلفية العلاقة بين الرجلين، التي اتسمت بالتوتر وتضارب المصالح.

 

 

من الدعم العسكري إلى الضغط السياسي

 


مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، أصبحت المساعدات العسكرية الأميركية عاملاً أساسياً في قدرة كييف على مواصلة الدفاع عن أراضيها. لكن ترمب انتقد حجم الدعم المقدم لأوكرانيا خلال حملته الانتخابية عام 2024، واتهم القيادة الأوكرانية بعدم بذل جهود كافية لإنهاء الحرب عبر التفاوض، متعهداً بالتوصل إلى تسوية سريعة إذا عاد إلى البيت الأبيض.

 

 

بعد عودته إلى الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025، اتجهت واشنطن إلى فتح مسار تفاوضي مباشر مع موسكو. وأجرى مسؤولون أميركيون وروس محادثات في الرياض من دون مشاركة أوكرانيا، ما دفع زيلينسكي إلى الاعتراض على مناقشة مستقبل بلاده في غياب ممثليها.

 

تفاقم الخلاف في فبراير/شباط 2025، عندما حمّل ترمب القيادة الأوكرانية مسؤولية استمرار الحرب، ووصف زيلينسكي بأنه «ديكتاتور بلا انتخابات». وبلغ التوتر ذروته خلال لقاء في البيت الأبيض يوم 28 فبراير/شباط، انتهى من دون توقيع الاتفاق المقرر بشأن المعادن الأوكرانية أو عقد المؤتمر الصحفي المشترك.

 

 

تعليق المساعدات يعيد ترتيب أوراق التفاوض

 

 

عقب المواجهة في البيت الأبيض، علقت واشنطن مؤقتاً المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، في خطوة زادت الضغوط على الحكومة الأوكرانية. لكن زيلينسكي وافق خلال محادثات جدة في مارس/آذار 2025 على مقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً، شريطة موافقة روسيا، لتعلن الولايات المتحدة استئناف المساعدات وتبادل المعلومات.

 


عكست هذه الخطوات اعتماد إدارة ترمب سياسة تقوم على الضغط على كييف لدفعها نحو التفاوض، بالتوازي مع محاولة تحفيز موسكو على قبول تسوية. في المقابل، خشيت القيادة الأوكرانية أن يؤدي التوصل إلى اتفاق سريع من دون ضمانات أمنية واضحة إلى تثبيت المكاسب الروسية وتهيئة الظروف لجولة جديدة من الحرب.

 

في أغسطس/آب 2025، عقد ترمب لقاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، من دون مشاركة زيلينسكي. وأبدى الرئيس الأوكراني استعداده لاجتماع ثلاثي، مشدداً على ضرورة مشاركة بلاده في أي مباحثات تتناول مستقبل أراضيها وأمنها. لكن القمة لم تفضِ إلى إنهاء الحرب، واستمرت الخلافات بشأن الأراضي والضمانات الأمنية.

 

 

الأراضي والضمانات تعرقلان التسوية

 

 

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، طلب زيلينسكي من واشنطن تزويد بلاده بصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، غير أن ترمب لم يستجب للطلب، وركز على دفع الطرفين إلى وقف القتال عند خطوط المواجهة القائمة.

 

في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، تحدث الرئيسان عن إحراز تقدم في خطة سلام من 20 نقطة، إلا أن مستقبل إقليم دونباس ظل من أبرز نقاط الخلاف. فكييف تسعى إلى ضمانات تحول دون استئناف الهجمات الروسية، بينما يضغط ترمب من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي القتال، وسط تباين واضح بشأن الترتيبات الإقليمية والأمنية التي ينبغي أن يتضمنها.

 

 

تتمثل المعضلة الأساسية في اختلاف أولويات الطرفين؛ إذ يريد ترمب إنهاء الحرب عبر تسوية قابلة للتنفيذ، في حين يخشى زيلينسكي أن يؤدي التنازل عن أراضٍ أو القبول بضمانات غير كافية إلى إضعاف موقف بلاده وتركها عرضة لتهديدات مستقبلية.

 

الطاقة والانتخابات تدخلان على خط الأزمة

 

 

خلال عام 2026، ازدادت تعقيدات المشهد مع تصاعد أزمة الطاقة العالمية، بالتزامن مع اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب على إيران، واستمرار الضربات الأوكرانية على منشآت تكرير النفط الروسية.

 

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، برز ارتفاع أسعار الوقود بوصفه تحدياً اقتصادياً وسياسياً أمام إدارة ترمب. وأصبحت إمدادات الطاقة وأسعارها جزءاً من الحسابات المرتبطة بعلاقة واشنطن بموسكو، إلى جانب الاعتبارات العسكرية والدبلوماسية.

 

 

في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن ترمب اتفاقاً مع موسكو يسمح بتدفق كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية، وفق ما ورد في التقارير المتعلقة بالملف. وأثارت الخطوة اعتراضات أوكرانية بسبب المخاوف من أن توفر عائدات الطاقة موارد إضافية لروسيا تتيح لها مواصلة تمويل الحرب.

 

 

في اليوم التالي، دعا ترمب أوكرانيا إلى اختيار رئيس جديد، متهماً زيلينسكي بعرقلة التوصل إلى اتفاق سلام بسبب استمرار الهجمات على المصافي الروسية. وجاءت التصريحات لتفتح جبهة جديدة من الخلاف، تتجاوز شروط التسوية إلى مستقبل القيادة الأوكرانية نفسها.

 

رد زيلينسكي بعرض وقف استهداف المصافي الروسية لمدة 30 يوماً، شرط أن توقف موسكو هجماتها على منشآت الطاقة الأوكرانية. وربط المقترح أيضاً بحصول بلاده على صواريخ اعتراضية لمنظومات «باتريوت»، في محاولة لتحقيق توازن بين خفض التصعيد والحفاظ على قدرات الدفاع الجوي.

 

 

غير أن الخلاف بشأن شروط وقف الهجمات، ومستوى الدعم العسكري المطلوب، والضمانات التي ينبغي أن ترافق أي اتفاق، ظل قائماً، ما أبقى فرص التسوية مرتبطة بقدرة الطرفين على تجاوز تبايناتهما.

 

 

هل تتجه العلاقة إلى قطيعة سياسية؟

 

 

لم يعد الخلاف بين ترمب وزيلينسكي محصوراً في آليات إنهاء الحرب، بل امتد إلى طبيعة العلاقة مع موسكو، ومستقبل المساعدات العسكرية، ومصالح الطاقة، والتداعيات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. وبينما يسعى ترمب إلى تسوية سريعة تخفف الأعباء الاقتصادية والسياسية للحرب، يتمسك زيلينسكي بشروط يرى أنها ضرورية لحماية بلاده من تهديدات مستقبلية.

 

 

تواجه كييف معادلة صعبة؛ فهي تحتاج إلى الدعم الأميركي لمواصلة الدفاع عن أراضيها وتعزيز موقعها التفاوضي، لكنها تخشى أن تتحول المساعدات إلى وسيلة لفرض اتفاق لا يوفر ضمانات كافية لأمنها. أما واشنطن، فتسعى إلى دفع الطرفين نحو تسوية، مع مراعاة حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية وتكاليف استمرار الحرب.

 

يبقى مستقبل العلاقة بين الرئيسين مرتبطاً بمسار المفاوضات ومدى استعداد كل طرف لتعديل شروطه. فهل تنجح كييف في احتواء الخلاف مع واشنطن والحفاظ على دعمها، أم تتزايد الضغوط الأميركية لدفعها نحو تسوية لا تتوافق بالكامل مع مطالبها الأمنية؟

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2

اقرأ أيضاً