اختبار جديد للتجارة السورية
لم تكد حركة التجارة والترانزيت البري بين سوريا والأردن تستعيد زخمها، حتى أعادت التطورات الأمنية في الجنوب السوري فتح ملف هشاشة الممرات التجارية، واضعة المصدرين والمستوردين وشركات النقل أمام تحديات جديدة تتعلق بتأخر الشحنات وارتفاع التكاليف واحتمالات تعطل سلاسل الإمداد.
وأعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، صباح الثلاثاء 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن وتعليق حركة المسافرين والتبادل التجاري في الاتجاهين، على خلفية التطورات الميدانية في محافظة درعا، عقب غارات جوية أردنية استهدفت مواقع في جنوب سوريا. ولم تحدد السلطات موعداً لاستئناف الحركة.
ولا يقتصر تأثير القرار على توقف عبور الشاحنات، بل يمتد إلى قدرة سوريا على تأمين احتياجات أسواقها، وتصدير منتجاتها إلى الأردن ودول الخليج، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية الإقليمية واستعادة حركة التجارة العابرة لأراضيها.
شريان تجاري تحت الضغط
يمثل معبر نصيب، الذي يقابله معبر جابر على الجانب الأردني، أحد أبرز المنافذ البرية التي تربط سوريا بالأردن والأسواق الخليجية. ولذلك، فإن تعطله قد يؤدي إلى تأخير وصول الواردات إلى الأسواق والمصانع السورية، فضلاً عن إرباك حركة الصادرات، ولا سيما المنتجات الزراعية التي تعتمد قدرتها التنافسية على سرعة النقل وانخفاض تكاليفه.
وتتجاوز التداعيات مدة الإغلاق نفسها، إذ يمكن أن تترتب على تأخر الشحنات تكاليف إضافية للتخزين والنقل والتبريد، إلى جانب اضطراب مواعيد التسليم والتزامات التصدير. وتزداد المخاطر بالنسبة إلى المنتجات سريعة التلف، التي قد تفقد جزءاً من قيمتها التجارية إذا تعذر نقلها ضمن المهل المناسبة.
وتعكس بيانات التجارة بين سوريا والأردن حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بهذا الممر. فقد ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 334 مليون دينار أردني خلال عام 2025، مقارنة بنحو 116 مليون دينار في عام 2024، بزيادة تقارب 188 بالمئة.
وبلغت الصادرات الأردنية إلى سوريا نحو 252 مليون دينار، في حين وصلت قيمة المستوردات الأردنية من السوق السورية إلى نحو 82 مليون دينار، ما يشير إلى اختلال الميزان التجاري لمصلحة الأردن.
نمو التبادل واختلال الميزان
واصلت الصادرات الأردنية إلى سوريا ارتفاعها خلال الأشهر الأولى من عام 2026. ووفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، زادت الصادرات إلى السوق السورية بنسبة 38.4 بالمئة خلال الثلث الأول من العام، لتصل إلى 101 مليون دينار، مقارنة بنحو 73 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
في المقابل، تراجعت الواردات الأردنية من سوريا بنسبة 42.9 بالمئة، لتبلغ نحو 12 مليون دينار، مقابل 21 مليون دينار في الفترة المقابلة.
وتشير هذه الأرقام إلى أهمية السوق السورية بالنسبة إلى المنتجات الأردنية، بما فيها مواد البناء، مثل الإسمنت والحديد والرخام والأنابيب، إلى جانب المعدات الكهربائية والمواد الغذائية والمنتجات الكيماوية.
لكن استمرار تعطل معبر نصيب قد يرفع كلفة وصول هذه السلع إلى السوق السورية، ويزيد الأعباء على الشركات التي تعتمد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي أو تأمين مستلزمات الإنتاج. وفي المقابل، قد تواجه الصادرات السورية صعوبات إضافية في الوصول إلى الأسواق الأردنية والخليجية، بما يحد من قدرتها على المنافسة إذا ارتفعت تكاليف الشحن أو طال زمن النقل.
الزراعة أمام تحدي الوقت
قد تكون الصادرات الزراعية السورية من أكثر القطاعات تأثراً بإغلاق المعبر، خصوصاً الشحنات المتجهة إلى الخليج عبر الأراضي الأردنية. فاضطرار المصدرين إلى تأجيل الشحنات أو البحث عن طرق بديلة قد يرفع تكاليف التبريد والتخزين، ويقلص هامش الربح، وربما يؤدي إلى خسائر في المنتجات سريعة التلف.
وتختلف التداعيات باختلاف طبيعة البضائع؛ إذ تستطيع بعض المنتجات الصناعية تحمل التأخير والتكاليف الإضافية ضمن حدود معينة، بينما تتراجع فرص المنتجات الزراعية في المنافسة كلما طال وصولها إلى الأسواق المستهدفة.
لذلك، لا يرتبط اختيار الطريق البديل بتوافر منفذ حدودي فحسب، بل بكلفة الرحلة كاملة، بما يشمل الوقود والتأمين والتخليص الجمركي والمناولة، فضلاً عن الوقت اللازم لوصول البضائع إلى وجهتها النهائية.
العراق والبحر.. بدائل مشروطة
يبرز المسار العراقي، عبر منفذ البوكمال السوري ومنفذ القائم العراقي، بوصفه أحد الخيارات البرية الممكنة لنقل بعض الشحنات. غير أن الاعتماد عليه يتوقف على الوجهة النهائية وطول الطريق وتكاليف العبور والتأمين، إضافة إلى الترتيبات اللوجستية والإجراءات الجمركية داخل العراق.
ولا يعني وجود هذا المسار أنه قادر تلقائياً على تعويض حركة الشاحنات التي كانت تعبر الأردن باتجاه السعودية ودول الخليج، كما لا يضمن أن تكون كلفته أقل أو زمن الوصول عبره أقصر. وتحتاج جدواه إلى تقييم منفصل بحسب نوع البضائع وحجم الشحنات والأسواق المستهدفة.
أما النقل البحري عبر مرفأي اللاذقية وطرطوس، فيمكن أن يشكل خياراً لبعض البضائع القابلة للتخزين والشحن بالحاويات، شريطة توافر خطوط شحن مناسبة وترتيبات فعالة للمناولة والنقل إلى الأسواق النهائية. وقد تكون الموانئ اللبنانية خياراً إضافياً لبعض الشحنات، لكنها قد تضيف تكاليف ومراحل لوجستية أخرى، ولا تصلح بالضرورة بديلاً مباشراً لجميع البضائع التي كانت تمر عبر نصيب.
وتبقى المفاضلة بين هذه الخيارات مرهونة بالكلفة الإجمالية والوقت والقدرة على ضمان وصول الشحنات بانتظام. فالمسار الأقل طولاً ليس بالضرورة الأقل كلفة، كما أن توافر طريق بديل لا يضمن وحده استمرار حركة التصدير بالمستويات نفسها.
تنويع الممرات ضرورة اقتصادية
يعيد إغلاق معبر نصيب تسليط الضوء على اعتماد جانب مهم من التجارة السورية على ممر بري رئيسي، في منطقة تتأثر حركة النقل فيها بالتطورات الأمنية والسياسية. وإذا طال الإغلاق أو تكرر، فقد تصبح تداعياته أكثر وضوحاً على الشركات والمزارعين والمستوردين، خصوصاً أولئك الذين ترتبط أعمالهم بمواعيد تسليم محددة وهوامش ربح محدودة.
ولا تقتصر الاستجابة المطلوبة على تحويل الشاحنات إلى طرق أطول، بل تشمل بناء شبكة نقل أكثر تنوعاً، وتحسين التنسيق الجمركي مع الدول المجاورة، وتطوير قدرات التخزين والتبريد، وتقييم جدوى الممرات البرية والبحرية وفق احتياجات كل قطاع.
طرق أكثر أمناً وكلفة أقل
يضع إغلاق نصيب التجارة السورية أمام اختبار جديد، لا يتعلق فقط بقدرة البلاد على إيجاد طريق بديل، بل بمدى قدرتها على ضمان استمرارية النقل بكلفة ووقت يمكن للشركات تحملهما.
وتبقى إعادة تنويع منافذ التصدير وتحسين كفاءة المعابر وتطوير خيارات النقل والتخزين من العوامل المهمة لتقليل أثر الإغلاقات الطارئة. فاستدامة التعافي التجاري لا تعتمد على فتح الحدود وحده، بل على وجود ممرات آمنة وموثوقة تتيح وصول البضائع إلى الأسواق في الوقت المناسب، وتحافظ على قدرة المنتجين والمصدرين السوريين على المنافسة.