خلافات إعادة الإعمار تضع مستقبل جوبر أمام خيارات متعددة

2026.10.26 - 15:08
Facebook Share
طباعة

تتواصل الخلافات بشأن إعادة إعمار حي جوبر الدمشقي، وسط تباين المواقف بين الأهالي ومحافظة دمشق حول المقترحات الاستثمارية المطروحة، وحصص أصحاب العقارات من الأبنية الجديدة، والضمانات اللازمة لحماية حقوقهم. وتتركز الاعتراضات على مدى عدالة التعويضات المقترحة، وإمكانية عودة السكان إلى الحي بعد إعادة بنائه، والحفاظ على هويته العمرانية والاجتماعية.


ويتمسك الأهالي ومجلس أمناء الحي بضرورة اعتماد صيغة تضمن حقوق المالكين وتراعي حجم الدمار الذي لحق بممتلكاتهم خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، يرى بعض السكان أن الاستعانة بشركات استثمارية قد تكون ضرورية لإنجاز المشروع، نظراً إلى ضخامة تكاليف إعادة الإعمار ومحدودية الإمكانات المالية والفنية المتاحة للأهالي.

 

يقع جوبر شمال شرقي دمشق، ويمتد على مساحة تبلغ نحو 2.86 كيلومتر مربع. وكان من أوائل المناطق التي شهدت مظاهرات مناهضة للنظام السابق في ريف دمشق، أواخر آب 2011. وتعرض الحي خلال سنوات الحرب لقصف جوي ومدفعي واسع، أدى إلى دمار كبير في مبانيه وأسواقه ومساجده ومدارسه، فضلاً عن تهجير سكانه وتعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيه.

 

رفض النسب المقترحة

 

كشفت الاجتماعات الشعبية التي عقدها أهالي جوبر لمناقشة مخطط إعادة الإعمار عن تباين في المواقف بشأن المشروع الاستثماري. فبينما يرفض بعض السكان المشروع بصيغته الحالية، يؤيد آخرون المضي فيه، شرط ضمان حقوق المالكين وعدم تقليص حصصهم من الوحدات السكنية والتجارية الناتجة عن إعادة البناء.

 

وخلال لقاءات أجرتها «سوريا الآن» مع عدد من الأهالي، وصف أحد السكان حالة الانقسام داخل الحي، موضحاً أن المواقف تتوزع بين الرافضين للمشروع من أساسه، والمعترضين على النسب المقترحة، ومن يرفضون المشروع والنسب معاً.

 

في المقابل، دعا أحد الأهالي إلى توحيد الموقف التفاوضي، معتبراً أن غياب التنسيق بين السكان يضعف قدرتهم على عرض مطالبهم بصورة واضحة أمام السلطات المحلية. واقترح تشكيل لجنة تمثيلية تحظى بموافقة الأهالي، تتولى مناقشة تفاصيل المشروع والتفاوض بشأن شروطه وحقوق أصحاب العقارات.

 

تزامنت هذه الخلافات مع احتجاجات نظمها عدد من السكان، شملت قطع طريق المتحلق الجنوبي في دمشق، اعتراضاً على تأخر إعادة الإعمار، ومطالبة الجهات المعنية بتسريع معالجة الملف والاستجابة لمطالب المالكين.

تكاليف مرتفعة وخيارات محدودة

 

لا يقتصر الخلاف على نسب التعويضات، بل يشمل أيضاً القدرة على إعادة بناء الحي من دون الاستعانة بشريك استثماري. ويرى بعض الأهالي أن حجم المشروع يتجاوز إمكاناتهم المالية والفنية، ما يجعل التمويل والخبرة الهندسية عنصرين أساسيين في أي خطة لإعادة الإعمار.

وقدّر أحد السكان تكلفة المشروع بنحو 20 إلى 22 مليار دولار، مشيراً إلى أن الأهالي لا يمتلكون الكوادر أو الإمكانات المالية اللازمة لتنفيذه بصورة مستقلة. ودعا إلى التركيز على الحد من خسائر السكان وضمان حقوقهم، بدلاً من اختزال النقاش في العوائد الاستثمارية.

 

وتكشف هذه المواقف عن معضلة رئيسية تواجه إعادة إعمار جوبر: الحاجة إلى تمويل ضخم وخبرات متخصصة لإنجاز المشروع، مقابل ضمان ألا تؤدي الشراكة الاستثمارية إلى تقليص حقوق أصحاب العقارات أو تحميلهم أعباء مالية لا يستطيعون تحملها.

جذور الأزمة وحقوق المتضررين

 

تطرق عبد اللطيف طيلوني، عضو لجنة الارتباط في حي جوبر، في حديثه إلى «سوريا الآن»، إلى الظروف التي أدت إلى تعقيد ملف إعادة الإعمار، مشيراً إلى أن الحي تعرض لدمار واسع، فيما لا يزال سكانه ينتظرون العودة إلى منازلهم.

وقال طيلوني إن جوبر من أحياء دمشق التي لم يتمكن أهلها من العودة إليها حتى الآن، معتبراً أن حجم الأضرار التي لحقت بالمنطقة يستدعي اعتماد معايير عادلة للتعويض، وعدم حصر التخطيط في الجوانب الهندسية والتنظيمية.

 

وشدد على ضرورة مراعاة الخسائر التي تكبدها أصحاب الأراضي والمنازل، مؤكداً أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة تخطيط الشوارع وتوزيع المساحات، بل يجب أن تتضمن آلية واضحة لتعويض المتضررين وصون حقوقهم العقارية.

تتداخل في هذا الملف حقوق الملكية مع متطلبات البنية التحتية والخدمات العامة واحتياجات التمويل والتنفيذ، ما يجعل التوصل إلى صيغة توافقية أمراً أساسياً لتجنب مزيد من الخلافات بين الأهالي والجهات المسؤولة عن المشروع.

 

تفاصيل العرض الاستثماري

 

أوضح طيلوني أن العرض الاستثماري المطروح يستهدف إعادة بناء الحي بصورة حديثة من خلال شركات كبرى، على مساحة إجمالية تبلغ نحو 6.7 ملايين متر مربع. وبعد اقتطاع المساحات المخصصة للبنية التحتية والخدمات، تُقدّر المساحة المتبقية للاستخدامات السكنية والتجارية بنحو 6 ملايين متر مربع.

 

وبحسب طيلوني، يتضمن العرض الأخير تخصيص نحو مليونين و140 ألف متر مربع من الشقق الجاهزة للسكن لأهالي الحي. غير أن مجلس الأمناء واللجان الفنية يعتبرون هذه الحصة غير كافية لتغطية حقوق مختلف الفئات، بما يشمل أصحاب الشقق والأراضي.

ويطالب مجلس الأمناء ولجنة الخبراء برفع حصة الأهالي إلى نحو 50 بالمئة، أي ما يقارب مليونين و900 ألف متر مربع، وفق الأرقام التي عرضها طيلوني. ويقدّر الأخير أن الحصة المطروحة حالياً تبلغ نحو 35 بالمئة، واصفاً إياها بأنها لا تلبي مطالب السكان المتعلقة بالتعويض.

 

ويتمحور الخلاف حول آلية احتساب حقوق المالكين وتوزيع الوحدات الناتجة عن المشروع، فضلاً عن المعايير التي ستحدد حصة كل فئة من أصحاب العقارات. كما يثير التباين بين النسبة التي يعرضها المستثمر وتلك التي يطالب بها الأهالي تساؤلات بشأن الأسس المعتمدة في تقدير التعويضات ومدى توافقها مع حقوق المالكين.

 

مخاوف على الهوية الاجتماعية

 

إلى جانب الخلافات المالية والتنظيمية، يضع الأهالي الحفاظ على هوية جوبر الاجتماعية والعمرانية ضمن أولوياتهم. ويحذر طيلوني من أن تحميل السكان تكاليف إضافية للحصول على مساحات سكنية في المخطط الجديد قد يدفع بعضهم إلى بيع حقوقهم العقارية ومغادرة الحي.

ويرى أن هذا الاحتمال قد يؤدي إلى تغييرات في التركيبة السكانية للمنطقة، خصوصاً إذا عجز أصحاب العقارات عن تحمل الأعباء المالية المترتبة على إعادة الإعمار. لذلك، دعا إلى تدخل الدولة لتوفير برامج تقسيط طويلة الأجل من دون فوائد، بما يساعد الأهالي على الاحتفاظ بممتلكاتهم والعودة إليها.

 

ولا تقتصر هذه المخاوف على توفير مساكن بديلة، بل تشمل أيضاً الحفاظ على الروابط الاجتماعية التي تجمع السكان، وضمان استمرار وجودهم في المنطقة التي عاشوا فيها قبل التهجير. فإعادة بناء الأبنية وحدها لا تكفي لاستعادة الحياة الطبيعية ما لم يتمكن الأهالي من العودة والاستقرار وممارسة أنشطتهم اليومية.

بدائل عن المشروع الاستثماري

 

مع استمرار الخلاف بشأن العرض المطروح، يدفع بعض الأهالي باتجاه دراسة خيارات بديلة تتيح إعادة بناء الحي وفق احتياجات السكان، بدلاً من حصر المفاوضات في شروط المشروع الحالي.

وخلال أحد الاجتماعات الجماهيرية، أكد أحد السكان أن الأهالي اتخذوا قراراً بالعمل على تصور لإعادة بناء جوبر وفق رؤيتهم، مع منح المحافظة فرصة للتوصل إلى قرار بشأن المشروع. وأشار إلى إمكانية عرض المقترحات التي يتفق عليها السكان على المختصين والفنيين لدراستها وتقييم قابليتها للتنفيذ.

 

من جهته، تحدث طيلوني عن بدائل يمكن بحثها في ضوء طبيعة العقارات والأراضي داخل الحي، مشيراً إلى أن نحو 50 بالمئة من عقارات المنطقة منظمة أصلاً، فيما تبلغ نسبة الأراضي غير المعمّرة نحو 75 بالمئة، وفق تقديراته.

ومن بين المقترحات التي طرحها تعديل قانون البناء بما يسمح بزيادة عدد الطوابق في الشوارع التي تسمح طبيعتها التنظيمية بذلك، بهدف توفير مساحات إضافية تساعد على تعويض الأهالي. كما أشار إلى إمكانية إعادة تنظيم أجزاء من المنطقة وتشييد أبراج حديثة من دون نزع ملكيات السكان، شرط توفير الأطر القانونية اللازمة وتأمين البنية التحتية والخدمات الأساسية.

 

ويتطلب تطبيق هذه البدائل دراسات فنية وقانونية تحدد مدى ملاءمتها لطبيعة الحي، وقدرة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق على استيعاب الكثافة العمرانية الجديدة. كما يستلزم وضع آليات واضحة لتوزيع التكاليف والعوائد، وتنسيقاً بين الأهالي والمحافظة والجهات الفنية لضمان حماية حقوق المالكين.

بين الاستثمار والتوافق المحلي

 

تتجاوز أزمة إعادة إعمار جوبر الخلاف على قبول المشروع الاستثماري أو رفضه، لتشمل قضايا التعويضات وتوزيع الوحدات السكنية والتجارية وتمويل البناء وضمان عودة السكان الأصليين. ويتوقف التوصل إلى تسوية على قدرة الأطراف المعنية على الاتفاق على شروط واضحة توازن بين متطلبات التنفيذ وحقوق أصحاب العقارات.

فالاستثمار قد يوفر التمويل والخبرات اللازمة لإنجاز المشروع، لكنه يحتاج إلى ضمانات محددة بشأن حصص المالكين والتزامات الشركات وآليات التعويض. أما البدائل التي يقترحها الأهالي، فتحتاج إلى تقييم مالي وفني يحدد قدرتها على تأمين البنية التحتية والخدمات وإعادة بناء الحي ضمن جدول زمني قابل للتطبيق.

 

ويأمل طيلوني أن تستعيد جوبر عافيتها خلال خمس سنوات، وأن تعود منطقة حيوية ضمن دمشق، مشدداً على أهمية تعاون الدولة مع الأهالي لتحقيق هذا الهدف.

ويبقى مستقبل الحي مرتبطاً بالتوصل إلى صيغة تضمن حقوق أصحاب العقارات، وتشرك السكان في القرارات المتعلقة بممتلكاتهم، وتوفر الشروط اللازمة لعودتهم. فإعادة إعمار جوبر لا تعني تشييد المباني والطرق فحسب، بل تتطلب أيضاً استعادة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والحفاظ على هوية الحي وضمان ألا يتحول الدمار الذي لحق به إلى سبب لفقدان أهله حقوقهم فيه.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6

اقرأ أيضاً