فرنسا تلوّح بمظلة نووية أوروبية.. هل يتراجع اعتماد القارة على واشنطن؟

2026.10.26 - 15:08
Facebook Share
طباعة

تحوّل في الحسابات الأمنية
تتجه فرنسا إلى تعزيز دورها بوصفها قوة نووية أوروبية، في ظل تصاعد المخاوف من روسيا وتزايد النقاش بشأن مدى استمرارية الضمانات الأمنية الأمريكية للقارة. وتقوم المبادرة التي أطلق عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اسم «الردع المتقدم» على توسيع التعاون العسكري مع عدد من الدول الأوروبية، بما يشمل مشاركة مقاتلات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في تدريبات وأنشطة مشتركة، إلى جانب تطوير أنظمة الاتصالات والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وتسعى باريس، من خلال هذه الخطوة، إلى تعزيز قدرة أوروبا على الردع من دون التخلي عن الدور الأمريكي في منظومة الأمن الأطلسية، في وقت تثير فيه الحرب الروسية الأوكرانية تساؤلات بشأن استعداد القوى الغربية لمواجهة مخاطر التصعيد العسكري، بما فيها الاحتمالات النووية.


توسيع الشراكة الأوروبية
بحسب تقرير صحفي إسرائيلي تناول المبادرة، تعمل فرنسا على تنسيق جهودها مع مجموعة من الحلفاء الأوروبيين، بهدف توسيع نطاق التعاون في مجال الردع النووي ومواجهة التحديات الأمنية التي تفرضها روسيا.
ويشير التقرير إلى انضمام عشر دول أوروبية إلى المبادرة بدرجات متفاوتة من المشاركة، هي بريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وبولندا واليونان وفنلندا والنرويج والسويد والدنمارك. وفي المقابل، لم تنضم دول البلطيق الثلاث إلى المجموعة، فيما رفضت إيطاليا المشاركة.
وتعكس هذه التباينات اختلاف التقديرات الأوروبية بشأن طبيعة التهديدات الأمنية، وحدود الاعتماد على الردع الفرنسي، ومدى الحاجة إلى ترتيبات إضافية إلى جانب المظلة الدفاعية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي.


غموض في الضمانات النووية
تستند العقيدة النووية الفرنسية إلى مبدأ استخدام السلاح النووي عندما تتعرض «المصالح الحيوية» للبلاد للخطر. وقد أكد ماكرون أن هذه المصالح تحمل بُعداً أوروبياً، من دون تقديم ضمانات تفصيلية وملزمة بشأن الظروف التي يمكن أن تدفع فرنسا إلى استخدام ترسانتها دفاعاً عن حلفائها.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن فرنسا تمتلك نحو 290 رأساً نووياً، مع احتفاظها بالغموض بشأن الحدود الجغرافية الدقيقة لمصالحها الحيوية. ويمنح هذا الغموض باريس هامشاً من المرونة الاستراتيجية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات لدى الدول الأوروبية بشأن طبيعة الحماية التي يمكن أن توفرها فرنسا في حال وقوع مواجهة مباشرة مع روسيا.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إن بلاده لا تعتزم نشر أسلحة نووية على أراضيها في أوقات السلم، معتبراً أن المبادرة الفرنسية تفرض حسابات استراتيجية جديدة على موسكو.


مخاوف قديمة تتجدد
لا تعود الشكوك الأوروبية بشأن الاعتماد على الولايات المتحدة إلى المرحلة الراهنة وحدها. فقد برزت هذه المخاوف منذ ستينيات القرن الماضي، عندما دفع الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول باتجاه بناء قوة ردع نووية مستقلة، في ظل خلافات بشأن طبيعة الضمانات الأمريكية ومدى كفايتها لحماية فرنسا.
لكن هذه التساؤلات اكتسبت زخماً جديداً مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتباين المواقف الأمريكية والأوروبية بشأن الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع موسكو. كما أثار التقارب بين واشنطن وموسكو، إلى جانب النقاشات المتعلقة بتسوية الحرب والضغوط على كييف، مخاوف لدى بعض العواصم الأوروبية من احتمال تغير الأولويات الأمريكية أو تراجع استعدادها لتحمل مخاطر مواجهة مباشرة دفاعاً عن الحلفاء.
ومع ذلك، لا يعني التوجه الفرنسي بالضرورة الاستغناء عن المظلة الأمريكية، بل يعكس سعياً إلى توسيع الخيارات المتاحة أمام أوروبا وتقليل اعتماد أمنها على قرارات تصدر من خارج القارة.


اختلاف في أدوات الردع
على المستوى العسكري، تمتلك فرنسا منظومة نووية مستقلة تشمل صواريخ جوية من طراز «ASMP-A»، تختلف في طبيعتها ومهماتها عن القنابل النووية الأمريكية من طراز «B61» المنتشرة ضمن ترتيبات تقاسم الأعباء النووية في إطار حلف شمال الأطلسي.
ويرى التقرير أن هذه القدرات تمنح باريس وسيلة إضافية لإيصال رسائل ردع إلى موسكو، خصوصاً في ظل امتلاك روسيا ترسانة نووية كبيرة واستخدام مسؤولين روس خطاباً يتضمن إشارات متكررة إلى الخيار النووي منذ بدء الحرب على أوكرانيا عام 2022.
لكن فعالية أي مظلة ردع لا ترتبط بنوعية الأسلحة وحدها، بل تشمل أيضاً وضوح الالتزامات السياسية، ومدى استعداد الدولة لاستخدام قدراتها في ظروف الأزمة، وقدرة الحلفاء على تنسيق قراراتهم عند تصاعد التهديدات.


السياسة الداخلية عامل حاسم
لا ينفصل مستقبل المبادرة الفرنسية عن التوازنات السياسية داخل فرنسا، حيث يمكن لأي تغيير حكومي أن ينعكس على توجهات السياسة الخارجية والدفاعية. ويثير احتمال وصول قوى سياسية ذات مواقف مختلفة من الاتحاد الأوروبي والتعاون الدفاعي تساؤلات بشأن استمرارية المشروع على المدى الطويل.
وتبرز هذه المسألة أهمية بناء توافق سياسي داخلي حول دور فرنسا النووي في أوروبا، بالتوازي مع توضيح طبيعة التعاون مع الدول المشاركة وحدود الالتزامات التي يمكن أن تقدمها باريس. فالدول التي تدرس الاعتماد بدرجة أكبر على الردع الفرنسي تحتاج إلى فهم ما إذا كان التعاون سيبقى في إطار التدريبات والتنسيق العسكري، أم سيتطور إلى ترتيبات أوسع في أوقات الأزمات. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6

اقرأ أيضاً