إعادة الإعمار في سوريا تصطدم بنزاعات الملكية العقارية

2026.10.13 - 19:06
Facebook Share
طباعة

تواجه سوريا تحديًا قانونيًا واقتصاديًا معقدًا في معالجة ملف الاستملاكات العقارية، بعد سنوات من القرارات التي طالت أراضي ومنازل وممتلكات خاصة تحت عناوين مختلفة، من بينها تنفيذ مشروعات عامة وإعادة التنظيم العمراني. ومع سقوط نظام بشار الأسد، تصاعدت مطالب المالكين باستعادة حقوقهم، وسط تساؤلات بشأن مصير العقارات المستملكة، وآليات مراجعة القرارات السابقة، وسبل التوفيق بين إنصاف المتضررين ومتطلبات إعادة الإعمار.

 

 

لا يقتصر الملف على استعادة الأراضي أو إعادة تسجيل الملكيات، بل يشمل مراجعة الأسانيد القانونية لعمليات الاستملاك، والتحقق من مدى الالتزام بالأهداف المعلنة، وتقييم التعويضات التي حصل عليها أصحاب العقارات. كما تبرز ضرورة تسوية النزاعات المتراكمة بما يصون الحقوق الفردية، ويحافظ على استقرار المعاملات العقارية، ويحول دون تعطيل المشروعات القائمة.


قوانين متراكمة وحقوق معلّقة


تعود جذور الأزمة إلى تشريعات متعاقبة نظّمت الاستملاك في سوريا، من بينها القانون رقم 272 لعام 1946، وتشريعات صدرت عام 1974، والمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983. وأسهم تعدد القوانين والمراسيم واختلاف آليات تطبيقها في تشكيل منظومة قانونية معقدة، تفرض تحديات أمام الجهات المعنية عند النظر في طلبات استرداد الملكيات أو التعويض عنها.


تشير تقديرات طُرحت خلال نقاشات قانونية إلى صدور أكثر من 500 قانون ومرسوم بين عامي 1958 و2023، وهو ما يبرز حجم التشابك التشريعي المحيط بالملف. غير أن معالجة الإرث القانوني لا تعني إلغاء جميع قرارات الاستملاك بصورة شاملة، إذ يستدعي كل ملف فحص سنده القانوني، والغاية التي صدر من أجلها، ومدى تنفيذ المشروع المرتبط به.


تزداد صعوبة المعالجة عندما تنتقل العقارات إلى جهات أخرى، أو تدخل ضمن مشروعات عمرانية واستثمارية، أو تطرأ عليها تغييرات في طبيعتها القانونية والتنظيمية. لذلك، تبرز أهمية التمييز بين القرارات الصادرة وفق إجراءات سليمة، وتلك التي شابها تعسف أو تجاوز أو إخلال بحقوق أصحاب الملكيات.

 

مشروعات عمرانية تحت مجهر المراجعة


تتجه الأنظار إلى مشروعات إعادة التنظيم العمراني في محيط دمشق، ولا سيما المناطق المرتبطة بمشروع ماروتا سيتي والمنطقة التنظيمية التي أُنشئت بموجب المرسوم 66. فقد أثارت تلك المشروعات خلافات بشأن مصير العقارات المنزوعة الملكية، وقيمة التعويضات المقررة، ومدى قدرة المالكين السابقين على استعادة حقوقهم أو الاستفادة من البدائل المطروحة.

 


تتمحور مطالب المتضررين حول مراجعة القرارات التي مست ممتلكاتهم، والتحقق من عدالة التقييمات المالية، وضمان عدم ضياع الحقوق نتيجة الإجراءات الإدارية أو التغييرات التي طرأت على العقارات. كما يطرح أصحاب الملكيات تساؤلات بشأن الأراضي التي لم تُستخدم للغرض الذي استُملكت من أجله، وإمكان إعادتها إلى مالكيها الأصليين وفق الأطر القانونية المعمول بها.

 


تتوقف الإجابة عن تلك المطالب على فحص كل حالة بصورة مستقلة، إذ قد تتعذر إعادة العقار إذا انتقلت ملكيته بصورة قانونية أو أُقيمت عليه منشآت قائمة، بينما قد تسمح بعض الحالات بحلول مختلفة إذا لم يتحقق الغرض المحدد في قرار الاستملاك. ويظل الحسم مرتبطًا بالتشريعات ذات الصلة، والأدلة المتاحة، وطبيعة كل نزاع.

 


التعويضات بين القيمة العادلة وتعقيدات الإجراءات

 


تمثل التعويضات إحدى أبرز نقاط الخلاف بين المالكين والجهات المعنية، خصوصًا عندما يرى أصحاب العقارات أن المبالغ المحددة لا تتناسب مع القيمة الفعلية لممتلكاتهم أو مع التغيرات التي شهدها السوق العقاري. وتتسع الاعتراضات عند غياب المعلومات الواضحة بشأن أسس التقييم أو آليات الطعن في القرارات.


أظهرت نتائج استطلاع طُرح خلال نقاش حول الملف أن 46% من المشاركين أشاروا إلى انخفاض التعويضات، بينما رأى 42% أن أسباب الاستملاك أو الاستخدام اللاحق للأراضي غير واضحة، ولفت 11% إلى طول إجراءات التعويض وتعقيدها. وتكشف النتائج عن تعدد مصادر الاعتراض، بدءًا من القيمة المالية، مرورًا بنقص الشفافية، وصولًا إلى البطء الإداري.

 

تستدعي معالجة الإشكالات اعتماد معايير معلنة لتقييم العقارات، وإتاحة الوثائق المرتبطة بقرارات الاستملاك، وتوفير مسارات اعتراض فعالة أمام الجهات المختصة. ويمكن كذلك بحث بدائل للتعويض النقدي، مثل منح قطع أراضٍ بديلة أو حصص في مشروعات التطوير، شريطة أن تستند الخيارات إلى قواعد واضحة تضمن عدم تحميل المتضررين أعباء إضافية.


إعادة الإعمار أمام اختبار الثقة


يمتد أثر النزاعات العقارية إلى البيئة الاستثمارية، إذ يحتاج المستثمرون إلى سجلات ملكية موثوقة، وإجراءات واضحة لنقل الحقوق، وضمانات تحول دون ظهور مطالبات متعارضة بعد بدء تنفيذ المشروعات. ويؤدي استمرار الغموض القانوني إلى زيادة المخاطر أمام الشركات والممولين، وقد يدفعهم إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو الابتعاد عن المناطق المتنازع على ملكياتها.

 

تواجه السلطات معادلة دقيقة تجمع بين معالجة المظالم السابقة والحفاظ على استقرار المعاملات والمشروعات القائمة. فالإلغاء الشامل لقرارات الاستملاك قد يفتح نزاعات جديدة ويهدد أوضاعًا قانونية نشأت لاحقًا، بينما يؤدي تجاهل التجاوزات المحتملة إلى إضعاف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والقضاء.

 

يفرض الواقع مسارًا قانونيًا شفافًا يتيح مراجعة القرارات محل الاعتراض، ويحدد المسؤوليات، ويضمن حق المتضررين في الطعن والتعويض وفق إجراءات معلنة. كما يسهم نشر المعلومات المتعلقة بالمشروعات والأراضي المستملكة، وتوضيح أوجه استخدامها، في تقليص الشكوك وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا لإعادة الإعمار.

 

أقرا أيضاً: ضبط أسلحة وذخائر في ريف اللاذقية.. الأمن الداخلي يوقف مشتبهين

أقرا أيضاً: 385 عائلة تنهي سنوات النزوح وتعود إلى ريف رأس العين


حلول تتجاوز التعويض التقليدي


لا تنحصر الخيارات المتاحة في إعادة العقارات أو دفع مبالغ مالية، إذ يمكن دراسة صيغ تنظيمية تسمح بإعادة توزيع الأراضي أو منح أصحابها حصصًا تتناسب مع حقوقهم، خصوصًا في المناطق الخاضعة لمشروعات تطوير واسعة. وقد تساعد تلك الآليات في الحفاظ على فرص الاستثمار وتقليل الخسائر التي قد يتكبدها المالك السابق.

 

يرتبط نجاح الحلول المقترحة بضوابط تمنع فرض ترتيبات جديدة على أصحاب الحقوق دون موافقتهم أو ضمانات قانونية كافية. كما تبرز أهمية توفير آليات مستقلة لتقييم العقارات، وتحديد مهل زمنية لإجراءات التظلم، وإنشاء سجلات دقيقة توضح الوضع القانوني لكل ملكية والقرارات التي طالتها.

 

يحتل ملف الأراضي التي لم تُنفذ عليها المشروعات المخصصة لها مساحة مهمة ضمن النقاش القانوني، إذ قد تسمح بعض الحالات بمراجعة قرار الاستملاك أو إعادة الملكية وفقًا للقانون. غير أن اتخاذ مثل هكذا إجراء يستلزم التحقق من طبيعة القرار والحقوق التي نشأت بعده، تفاديًا لإثارة نزاعات جديدة أو المساس بمصالح أطراف أخرى.


اختبار العدالة في سوريا الجديدة


يضع ملف الاستملاك السلطات السورية أمام اختبار يتجاوز تسوية الخلافات العقارية، ليصل إلى قدرة المؤسسات على استعادة الثقة العامة عبر تطبيق القانون وضمان حق الملكية. فنجاح المعالجة لا يُقاس بعدد الملفات المغلقة فحسب، بل بمدى عدالة الإجراءات، ووضوح المعايير، وقدرة المتضررين على الوصول إلى الإنصاف.


تبدأ الخطوات العملية بحصر العقارات المشمولة بالقرارات السابقة، وتصنيف الملفات بحسب طبيعة المخالفات المحتملة، ثم تحديد المسار المناسب لكل حالة، سواء عبر استرداد الملكية أو التعويض أو التسوية القانونية. وينبغي أن ترافق تلك الإجراءات رقابة مستقلة وإتاحة المعلومات أمام أصحاب الحقوق، بما يقلل فرص التلاعب ويحد من تضارب المصالح.


في المحصلة، يشكل إرث الاستملاك أحد الملفات المفصلية في مرحلة إعادة بناء الدولة السورية. فالتوصل إلى حلول قانونية متوازنة يحمي حقوق المالكين، ويمنح المشروعات الاستثمارية أساسًا أكثر استقرارًا، ويمهد لإعادة الإعمار على قاعدة قوامها الشفافية والمساءلة واحترام الملكية الخاصة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 10

اقرأ أيضاً