كيف يستعد الناتو لاحتمال مواجهة روسيا؟

2026.10.12 - 11:28
Facebook Share
طباعة

 تتزايد التحركات داخل حلف شمال الأطلسي لتعزيز الاستعداد لاحتمالات التصعيد مع روسيا، بالتزامن مع تحذيرات بولندية من تنامي الهجمات الهجينة التي تستهدف دولاً أوروبية. وفي وقت يعتزم فيه القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا عرض تصور للتعامل مع أي هجوم محتمل، يبرز تساؤل بشأن ما إذا كانت هذه الإجراءات تمهد لمواجهة مباشرة، أم أنها جزء من سياسة ردع تهدف إلى منع اتساع الصراع.

ومن المقرر أن يعرض الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكيفيتش، القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، ما وصفه بـ«نظرية النصر» خلال مؤتمر أمني في العاصمة البولندية وارسو، وفق مسؤولين في الحلف. وتأتي هذه الخطوة وسط مخاوف غربية من تصاعد أنشطة تنسبها حكومات أوروبية إلى روسيا، وتقول إنها تستهدف إضعاف المجتمعات الأوروبية والضغط على الدول الداعمة لأوكرانيا.

 

نظرية النصر.. ردع الهجوم والاستعداد للمواجهة

وأوضح الكولونيل مارتن أودونيل، المتحدث باسم غرينكيفيتش، أن تصور القائد العسكري يقوم على الحفاظ على تفوق الناتو بما يتوافق مع خطط الردع والدفاع المعتمدة لدى الحلف. وأضاف أن تعقيد البيئة الأمنية الدولية يفرض الاستعداد لردع أي عدوان، مع امتلاك القدرة على تحقيق الأهداف العسكرية في حال وقوع هجوم.

ولا يُتوقع أن يكشف العرض تفاصيل دقيقة عن الخطط الدفاعية للحلف، التي يحيطها الناتو بالسرية، لكنه يأتي في توقيت تسعى فيه قيادته إلى توجيه رسالة واضحة إلى موسكو بشأن جاهزية الدول الأعضاء، بالتوازي مع طمأنة دول الجناح الشرقي التي تنظر بقلق إلى التطورات الأمنية المحيطة بها.

وتعززت المخاوف الغربية عقب حوادث أمنية أثارت تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات المحتملة، بينها العثور على طائرة مسيّرة محملة بمتفجرات في أحد المطارات الألمانية. ويتهم مسؤولون غربيون روسيا بتوسيع أنشطة التخريب والتدخل والهجمات غير التقليدية، إلا أن تحديد المسؤولية عن كل حادثة وطبيعة الرد المناسب يظلان موضع خلاف وتقييم أمني.

وفي هذا السياق، دعا الأمين العام للناتو مارك روته الدول الأعضاء إلى الحفاظ على الهدوء والاستمرار في دعم أوكرانيا، محذراً من الاستهانة بالقدرات الروسية، ومؤكداً في المقابل أن الحلف يمتلك تفوقاً على موسكو.

اقرأ أيضا: إيران تعرض المساعدة لبدء محادثات بين السعودية وأنصار الله

بولندا تدفع نحو رد أكثر حزماً

بالتوازي مع التحركات العسكرية، دعا وزير الخارجية البولندي، وفق ما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز»، دول الحلف إلى الاستعداد لرد قوي وحازم إذا تعرضت لهجوم روسي هجين، محذراً من احتمال سقوط ضحايا مع اتساع الأنشطة التي تقول وارسو إنها تستهدف زعزعة الاستقرار داخل المجتمعات الأوروبية.

كما طرح الوزير ضرورة إلزام جميع الروس الداخلين إلى الاتحاد الأوروبي بحمل جوازات سفر بيومترية، بهدف الحد من استخدام هويات مزيفة في عمليات السفر، في إطار تشديد الإجراءات الأمنية ومراقبة التحركات التي قد ترتبط بأنشطة استخباراتية.

وتتزامن هذه الدعوات مع مراجعة تجريها وزارة الدفاع الأمريكية بشأن انتشار قوات الولايات المتحدة في أوروبا، وسط استعداد الحلفاء لاحتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة. ومن المتوقع أن تتضح نتائج المراجعة مع نهاية العام الجاري، وهو ما يضيف عاملاً آخر إلى حسابات الدول الأوروبية بشأن قدرتها على تحمل مسؤوليات دفاعية أكبر.

 

هل تستعد روسيا لمهاجمة دولة في الناتو؟

لا تعني التحذيرات الغربية بالضرورة أن حرباً شاملة بين روسيا والناتو باتت وشيكة. فجزء أساسي من النقاش الأمني يدور حول احتمال تنفيذ عملية محدودة لاختبار تماسك الحلف، أو قياس مدى استعداده لتفعيل التزاماته الدفاعية في مواجهة تحرك روسي لا يصل بالضرورة إلى مستوى الحرب التقليدية.

وتبرز بولندا ودول البلطيق، وهي لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، في صدارة المناطق الحساسة ضمن هذه الحسابات، بسبب قربها من روسيا وبيلاروسيا، وارتباط أمنها بمبدأ الدفاع الجماعي الذي يقوم عليه الحلف.

لكن الباحث السياسي والاستراتيجي رولاند بيجاموف يستبعد وجود خطة روسية جاهزة لمهاجمة دولة عضو في الناتو، معتبراً أن التصريحات والتحركات الأخيرة تندرج في إطار تبادل رسائل التحذير ومحاولات احتواء التصعيد، خصوصاً في ظل التوتر المرتبط بإعلان بريطانيا نقل تكنولوجيا صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا.

وبحسب بيجاموف، قد تركز موسكو في مرحلة أولى على استهداف منشآت أو ورش داخل أوكرانيا مرتبطة بهذه التكنولوجيا، قبل احتمال توسيع نطاق الضربات إذا استمر التصعيد. غير أن انتقال العمليات إلى أهداف خارج الأراضي الأوكرانية قد يرفع مخاطر الاحتكاك المباشر مع دول غربية، تبعاً لطبيعة الأهداف ومواقعها والجهة التي تتعرض للهجوم.

 

المنطقة الرمادية.. متى يصبح الرد العسكري ضرورياً؟

لا يشترط أن تبدأ أي مواجهة بين روسيا والغرب بهجوم تقليدي واسع؛ إذ يمكن أن تتخذ العمليات شكل هجمات إلكترونية أو أعمال تخريب أو استهداف منشآت صناعية وعسكرية مرتبطة بالدعم المقدم لأوكرانيا. وتكمن خطورة هذه الأساليب في صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عنها أحياناً، وفي عدم وضوح الحد الفاصل بين العمل العدائي الذي يستدعي إجراءات أمنية وبين الهجوم الذي قد يبرر رداً عسكرياً.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي أن هذا النوع من التهديدات يضع الدول الأوروبية أمام معضلة تتعلق بتحديد طبيعة الحادثة ومستوى الرد المناسب، خصوصاً عندما لا تكون الأدلة على الجهة المنفذة حاسمة، أو عندما تتجنب العملية استخدام القوة العسكرية التقليدية بصورة مباشرة.

وتختلف المواجهة مع دولة عضو في الناتو عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، لأن أي اعتداء يستوفي شروط تطبيق مبدأ الدفاع الجماعي قد يضع بقية الدول الأعضاء أمام مسؤولية التحرك. لكن ذلك لا يعني أن كل حادث أمني سيؤدي تلقائياً إلى حرب، إذ تتوقف الاستجابة على طبيعة الهجوم وتقييم ملابساته والقرارات السياسية والعسكرية التي تتخذها الدول المعنية.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي السابق دونالد جينسن إن الحلف لن يتجاهل اعتداءً روسياً، رغم الخلافات بين أعضائه بشأن الإنفاق الدفاعي وحجم الدور الأمريكي في حماية أوروبا. وقد تتدرج الاستجابة من العقوبات وتعزيز الانتشار العسكري والإجراءات الدفاعية إلى هجمات إلكترونية مضادة، مع بقاء الخيارات العسكرية الأوسع مرتبطة بحجم الاعتداء وتداعياته.

وتبقى المعضلة الأساسية أمام الناتو في تحقيق معادلة مزدوجة: إقناع موسكو بأن أي هجوم ستكون له كلفة، مع تجنب رد قد يؤدي إلى تصعيد متبادل يصعب احتواؤه. وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن روسيا والولايات المتحدة ودولاً أخرى في الحلف تمتلك ترسانات نووية، ما يجعل أي مواجهة مباشرة واسعة النطاق محفوفة بمخاطر تتجاوز حدود أوروبا.

وبناءً على ذلك، فإن رفع مستوى الجاهزية وتكثيف التحذيرات لا يشكلان وحدهما دليلاً على قرب الحرب، لكنهما يعكسان اتساع القلق الأوروبي من احتمالات التصعيد، وصعوبة التعامل مع الهجمات الهجينة، وتزايد الحاجة إلى تحديد قواعد واضحة للرد قبل أن تتحول حادثة محدودة إلى مواجهة أوسع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7

اقرأ أيضاً