دخلت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران شهرها السادس، بينما تغيرت أولوياتها بصورة لافتة؛ فبعدما تصدّر البرنامج النووي قائمة الأهداف المعلنة، باتت حرية الملاحة عبر مضيق هرمز والضغط الاقتصادي على طهران في صدارة المشهد، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية تبحث عن مخرج للأزمة.
اقرأ أيضاً:البيت الأبيض يلوّح بكل الخيارات في مواجهة إيران
دفعت زيارة رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران الجهود الإقليمية نحو مسار جديد، مع محاولات لخفض التصعيد واستكشاف إمكانية استئناف التفاهمات بين واشنطن وطهران.
مسار الحرب يتغير
بدأت العمليات العسكرية في 28 شباط/فبراير، حين تحدثت واشنطن عن أهداف تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، بينما توقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تستمر الحرب لأسابيع قليلة.
امتداد المواجهة لستة أشهر أدخل ملفات أخرى إلى صلب الصراع، بينها صادرات النفط والعقوبات وحركة السفن ومستقبل مضيق هرمز.
أصبح الممر البحري الحيوي نقطة تماس رئيسية، بعدما انعكست الأزمة على تدفق الطاقة والتجارة الدولية.
الاقتصاد الإيراني تحت الضغط
فرضت الولايات المتحدة حزمة واسعة من العقوبات، إلى جانب التلويح بإجراءات ثانوية تطال الجهات التي تستمر في التعامل التجاري مع إيران.
أطلق وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على الحملة الاقتصادية وصف «الإنزال الاقتصادي»، في إشارة إلى مسعى واشنطن لتقليص قدرة طهران على الوصول إلى مواردها المالية.
تزامنت الضغوط الخارجية مع تراجع العملة الإيرانية ونقص بعض السلع وارتفاع البطالة، ما زاد العبء الداخلي للحرب ورفع الأصوات المطالبة بمراجعة مسار المواجهة.
جدل متصاعد داخل طهران
برزت داخل إيران دعوات إلى إعطاء التفاوض فرصة أكبر، خصوصاً من جانب الرئيس مسعود بزشكيان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف.
اقرأ أيضاً:قاليباف: إيران تخوض حرباً اقتصادية شاملة وتستعد للانتصار
أكد بزشكيان أن الحرب ليست الطريق الوحيد لحل المشكلات، داعياً إلى اعتماد الحوار والتفاهم.
قال قاليباف إن التفاوض ليس قيمة مطلقة ولا أمراً محرماً، مشدداً على أن التفاعل مع العالم لا يعني التبعية.
يعكس الخطاب نقاشاً سياسياً متزايداً بشأن كلفة استمرار المواجهة والخيارات المتاحة لتخفيف الضغوط.
هرمز يدخل صلب المساومة
قدم الحرس الثوري الإيراني إشارة مهمة بربط إمكانية فتح المضيق بعودة الولايات المتحدة إلى مذكرة التفاهم والتخلي عن ما وصفه بالعراقيل.
يفتح الموقف الباب أمام إدخال الملاحة البحرية في أي صفقة سياسية محتملة، بعدما كان هرمز ملفاً أمنياً أكثر منه مساراً تفاوضياً مستقلاً.
تملك طهران ورقة مؤثرة تتصل مباشرة بتدفقات النفط والغاز وأسواق الطاقة العالمية، بينما ترى واشنطن أن استعادة حركة العبور ستخفف أحد أبرز تداعيات الحرب على الاقتصاد الدولي.
ترامب يبحث عن مكسب سياسي
تواجه واشنطن صعوبة في تطبيق العقوبات الثانوية على نطاق واسع من دون التأثير في حركة التجارة والنظام المالي العالمي.
قد يوفر استئناف الملاحة عبر هرمز فرصة لترامب لتقديم نتيجة ملموسة للضغط الذي مارسته إدارته، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للتخلي عن أهدافها المتعلقة بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي أو وقف مصادر تمويلها.
روايتان حول السيطرة على المضيق
تؤكد الإدارة الأميركية أن قواتها تؤمن حركة السفن والنفط عبر هرمز، بينما تتمسك طهران بقدرتها على التحكم في الممر.
تكشف بيانات تتبع السفن صورة أكثر تعقيداً، إذ لا تزال حركة العبور أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
يعكس التباين بين التصريحات والبيانات الملاحية حجم الصراع على النفوذ في واحد من أهم ممرات الطاقة عالمياً.
عُمان تحاول فتح ثغرة
تتحرك سلطنة عُمان بين الطرفين بحثاً عن صيغة تسمح باستعادة الملاحة تدريجياً، مع مناقشة إقامة ممر مؤقت للسفن مع إيران.
قد يسمح الترتيب بتخفيف أزمة الشحن من دون انتظار تسوية شاملة للملفات الكبرى.
تمنح الوساطة العُمانية واشنطن وطهران فرصة لاختبار التهدئة عملياً، مع إبقاء القضايا الأكثر حساسية على طاولة التفاوض.
ستة أشهر غيّرت شكل المواجهة
لم تعد الحرب محصورة في المنشآت النووية والقدرات العسكرية، بل أصبحت شبكة مترابطة من الملفات تشمل العقوبات والطاقة والملاحة والاقتصاد.
يعكس انتقال مركز الاهتمام إلى هرمز تغيراً في حسابات الطرفين، خصوصاً مع ارتفاع كلفة استمرار الحرب وصعوبة تحقيق الأهداف الأولى بصورة حاسمة.
قد يتحول فتح المضيق إلى مدخل لتفاهم أوسع، أو يبقى مجرد ترتيب مؤقت يخفف أزمة الملاحة من دون إنهاء الصراع.
بعد نصف عام من المواجهة، بات مستقبل هرمز مرتبطاً بمستقبل الحرب نفسها؛ فإذا نجحت الوساطات في تأمين الملاحة، فقد تفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع، بينما قد يبقي استمرار التعثر المضيق إحدى أكثر أوراق الضغط حساسية بين واشنطن وطهران.